| مساجد "الضرار" ...بين الكزرة وفوضى العمران |
| الجمعة, 09 يناير 2015 17:27 |
|
بقلم محمد ولد أماهلا جدال في أهمية دور المساجد في الإسلام ، وقدسية رسالاتها وتبؤوها المكانة الأعلى في الدين، ونحن نعلم أن نبينا ورسولنا محمد صلى الله وعليه وسلم كان من أول ما افتتح به دعوته المباركة بيثرب بعد الهجرة والمنعة، عرين الأنصار وعاصمة الإسلام الأولي، تأسيس المسجد النبوي بالمدينة ، الذي هو من بين ثلاثة تضرب إليهم أكباد الإبل ، وعمله بيديه الشريفتين في بنائه ، وبات الأمر من ثم سنة ومن بعد، على مر تاريخ الإسلام ،في حياة النبي وبعده، إذ أن الخلفاء الراشدون الذي تولوا من بعده أمر الأمة فافتتحوا البلدان ، ودكوا الإمبراطوريات ومصروا الأمصار في المشارق والمغارب كانوا يوصون القادة ويأمرون الولاة بمباشرة تشييد المساجد الجامعة شعار الإسلام. بادئ ذي بدء في الجزيرة العربية وفي اليمن ثم في البصرة والكوفة والشام والفسطاط بمصر ، وبالقيروان بإفريقية.... وكذلك الشأن لمن ملكوا دفة دولة الإسلام فيما بعد ، بحيث أن المساجد على عمر هذا الدين وعبر القرون ظلت جامعات قائمة بذاتها لفنون العلم كله من فقه ولغة وأدب وخلافه وجهاد أيضا. والعمود الفقري لحضارة المسلمين خلال تاريخ دولهم ومماليكهم وظل سلطان تلك المساجد الجامعات يعلو ولا يعلى عليه. و لك مثال وعبرة بالمسجد الحرام وشيخيه الجليلين: مجاهد بن جبر المكي مولى مخزوم ، وعطاء بن أبي رباح ،وكان أسود أفطس ،والمسجد النبوي وإمامه الأعظم مالك بن أنس الأصبحي حليف تيم ، والمسجد الأقصى وشيخ أئمته مكحول الشامي وكان مولى لأمرة من هذيل، وكان نوبيا. والجامع الأزهر وعزه ومرتضاه العلمان : ابن عبد السلام والزبيدي ، وجامع القيروان ، وإمامه وفيلسوفه الفذ بن خلدون ، وفاس ومكناس ، وتافيلالت ، وشيوخهم وطلبتهم المبرزون، وجامع قرطبة ومفتيه ابن رشد ، ثم تيشيت وأنحابها وولاته وعلامتها ابن عبد الوهاب.. ثم تجكجه وفتاها ابن الحاج إبراهيم .. وجامع شنقيط وشيوخه الأكابر : ابن بلعمش ، وابن عبد الجليل وغير هؤلاء وأولائك كثير. وعن الصحارى العالمة ومدارسها فحدث ولا حرج .. وعن شيوخها الأئمة الأقطاب : عبد الودود بن الحاج المختار، جدنا الأزهري ومن تحدث عنه الزبيدي والمختار بن بونا شيخ الشيوخ ،حرمة بن عبد الجليل ، وسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم.... ومن أئمتها وشيوخها المذكورين الأعلام ، لمرابط محمد بن عبد الودود ، والدنا ، ومن درس بتافيلات ، وبعد أبيه عبد الودود ثاني شيوخ العالم الجليل واللغوي والأديب الأريب محمدو بن أحظانه ... على سبيل المثال لا الحصر ، ويختصر ـ رحمهم الله ـ شعارهم قول ابن بونا: ونحن جمع من الأشراف منتظم أجل ذي الخلق قدرا دون أدنانا قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة بها نبين دين الله تبيـــــــــــــانا فأولائك وهؤلاء أينما انتهت بهم رحلة جمالهم العيس وقوافلهم المثقلة أعلاما ونورا وتعاليما يغرس هذا الدين القويم ورسالاته النبيلة ، مبينا على أتم ما جاءت به السور ورسول الأمة الأمين عليه الصلاة والسلام وما أقره الصحب الأبرار الكرام رضي الله عنهم ، بناة مسجد الرسالة الأول الذي أسس على التقوى من أول يوم، وعلى مثل ما أسس عليه ،أسست وقامت أفراع دوحته في بؤر النور المنوه بها بأقاليم الإسلام. وعود على بدء وكما هو معلوم فإنشاء المساجد والجوامع تشييدا وتأسيسا كان شأنا مقدسا وسيظل كذلك على شرط الضرورة والحكمة ، والدور والاستقامة ، لا على شاكلة ما يتم عندنا اليوم ،في إطار من فوضى التقرى وفوضي العمران، وهو ما تختصره " الكزرة" وثقافتها المتداولة ، فالدين الإسلامي النقي في جوانبه كافة كان دين نظام ومصالح وسداد ولم يركن في يوم من أيامه أو في حكم من أحكامه إلى فوضى أو إلى خروج عن المعروف ولا المألوف. لذا كان هذا الدين القويم ، في الأمور كلها يتحرى العقلانية وينشد الانضباط ويتوخى المصلحة الدينية ثم الدنيوية لبني الإنسان قاطبة. وكان الانصياع للحق ديدنه والبعد كل البعد عن المنكر وشعابه وأهله .ولا يخفي أن المسجد من مهامه الكبرى في الإسلام ومقاصده الأسمى : الألفة والتواد والتعاضد بين المسلمين ، فضلا عن عبادة المولى سبحانه وتعالي وبما شرع ، وكذا الاهتمام بشأن الأمة المسلمة أفرادا وجماعات والتزاماتها المختلفة ومصالحها. والمسجد الجامع عنوان للاتحاد ونبذ الفرقة فالجماعة محمودة والفرقة مذمومة. وفي مساجد الضرار أنزل قرءان يتلي قال الله تعالي " والذين اتخذوا مسجدا ضرار وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين، أفمن أسس بينانه على تقوى من الله ورضوان خير أم أسس بينانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جنهم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بينانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم )الآيات 107، إلى 110 سورة التوبة. وعلى هذا النحو والإستئناس ساق ابن كثير ما ذكره ابن إسحاق عن الموضع ونورده ببعض التصرف " وقد ذكر ابن إسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله وكيفية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخول المدينة ومضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلى لهم رسول الله صلى الله فيه حتى يروج لهم ما أرادوا من الفساد والكفر والعناد فعصم الله رسوله من الصلاة فيه. وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك فلما رجع منها فنزل بذي أوان ، مكان بينه وبين المدينة ساعة نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد. وهو قوله تعالي: الذين اتخذوا مسجدا ضرارا الآية.. أما قوله ضرار فلأنهم أرادوا مضاهاة مسجد قباء كفرا وتفريقا لأمة المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ، وهو أبو عامر الراهب الفاسق الذي حارب إلى جانب كفار مكة بأحد ثم حالف الروم وانتمى لقيصر. وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل بذي أوان مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عاصما الصحابيين أن يذهبا إلى هذ المسجد مسجد الضرار فيحرقاه بالنار فذهبا وحرقاه بالنار وتفرق عنه أهله ، وكان الذين بنوه اثنا عشر رجلا من المنافقين منهم خذام بن خالد ، وفي جنب داره كان بناء هذا المسجد وثعلب بن حاطب ومعتب بن قشير ونبتل بن الحارث " انتهى الاستشهاد. وقد سقنا ما سقناه وواأسفاه عن حالة المساجد الحالية في بلادنا ، إنشاء وتشييدا وعلنا في هذا الشأن نكون على بصيرة في قابل الأيام ،ولننبه إلى أمر عمت به البلوى في موريتانيا ، على الأقل في العقدين الأخيرين بمدنها: الكبرى والصغرى وحتى في القرى. وقد تعزى الظاهرة في وجه من وجوهها وربما في مقام أول إلى شيوخ البترو- دولار وإلى شيخاته بالجزيرة العربية والخليج الذي اقتلع طوفانه الأسود أو يكاد الدين الصحيح والخلق ، وحتى الأوطان، في حلف غير مقدس مع الشيطان يوازره غزو صليبي مكشوف وشرس لا تعرف لها حدودا مؤامراته وكيده ودسائده للعبث بالأمة ومقدراتها وتفتيت نسيج وحدتها وهدم حضارتها وتخريب دينها ومقومات وجودها. وهي أمور طامة عامة وعلى خطورتها وأهميتها وذيوعها لا نراها مع ذلك تشغل حيزا كبيرا من بال واهتمامات شيوخنا الأفاضل ممن ما فتئوا في زماننا يتصدرون المنابر وشاشات القنوات الفضائية وعلى مدار الساعة ،وممن تنافس أشرطتهم في المحلات والأسواق والأبواق أشهر نجوم الكاسيت والرقميات بمدننا. وإليك بعض من أمثلة تزاحم ما سندعوه ومنذ الآن ولو ببعض التجاوز " بمساجد الضرار" بنواكشوط العاصمة . ومن تفرغ زينة نبدأ ومن الأحياء الموسرة كالمسجدين المتسامتين على مقربة من منزل الرئيس المدنى المنتخب الأخير المطاح به وضحى. وإن شئت من ملتقى طرق " مدريد" ومسجديه العتيدين والمتلاصقين قرب "سمعة أهل أمبود" وهلم إلى توجنين باتجاه المسجد " الأبيض" والمساجد المتداخلة حواليه وفي دائرته القريبة ، وأخيرا وليس آخرا هيا معي إلى مساجد " الشيارة" شرق الهندسة العسكرية المتاخمة لبيتنا بدار النعيم عاصمة "مثلث الفقر" في التقسيم الجديد المزمع للعاصمة لنرى مساجدها الأربعة المحشورة في حيزها الضيق حيث تختلط حيص بيص قراءة هذا مع أذان ذاك وإقامة ذا مع صلاة غيره وهلم جرا. فيما يدع المصلى في حيرة وقلق، ويبعده عن الاطمئنان والسكينة والخشوع. هذا إن اكتفينا بالعاصمة وحدها دون غيرها. ولأن الأمر وكما أسلفنا ينطوى على مخاطر واضحة وجسيمة لا على الدين وحده وإنما على البلد وأهله لما ينتج عنه من فوضى وشقاق. فلا مجال لترك الحبل على الغارب ولكل من هب ودب والدافع الجشع .ونعوذ بالله ولا حول ولا قوة إلا به. فعلى من يهمهم الأمر إذن أن يعوا ذلك حق الوعي وقبل فوات الأوان ولئلا يكونوا الشركاء في التواطؤ أو الصمت المريب.... فالمساجد ليست بقالات توزع موادها المنتهية الصلاحية ولا يجوز السكوت عمن يرومون تحويلها إلى تلك الصورة ، وإن زعموا فيما مضى أن أحد وزراء هذا الشأن أوعد يوما بتحويل بعض مساجد عهده إلى مخابز!! فمذاهب البر والإحسان والإنفاق كثيرة لمن يذهبون مذاهب الخير والفضيلة في الخليج وفي غير الخليج ، والله تعالي يقول في محكم كتابه ": " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامي والمساكين.... إلى آخر الآيات ففقراء المسلمين ومرضاهم ومحتاجوهم هم النسبة الغالبة في بلاد الإسلام ، والإنفاق على هؤلاء وعلاجهم وتعليمهم وتشغيلهم ..هو الخير كل الخير لمن صدقت نياتهم... ولا أرى سببا وجيها يدعو من يصادرون أهلية الدعوة بهذه الأصقاع وفيهم من ينصبون وتحكما أنفسهم للفتوى ومسك عنان الدين.. الصمت عن هذا الموضوع ولا التغاضي عنه ، اللهم وحاشا إلا أن يكون في الأمر سكوت مقصود دافعه حاجات في نفس " يعقوب"! وحسبنا الله ونعم الوكيل أولا وآخر. ولإبن الفقيه الطالب أحمد ـ القرن الثاني عشر الهجري : المؤمن المؤمن بالقرءان والمسلم العامل باللذ فيه وذا من التوحيد قد يكفيه.. |
.gif)

.jpg)