لم أبك لأني وجدت وطني وعبق الشناقطة لكني بكيت عند الوداع...
الثلاثاء, 26 أبريل 2016 17:55

altإنها لحظات جد خاصة هزت كل أعماقي ومشاعري... لحظات انطلاق طائرة الأيرباص 300-600 التابعة للخطوط الجوية السودانية عند الساعة السادسة مساء في يوم الخميس الموافق 21 أغسطس 2009 تجاهد مثقلة رويدا رويدا لتنسلخ من جاذبية "المقرن" أي ملتقى النيلين الأزرق والأبيض في مدينة الخرطوم متجهة

إلى القاهرة في رحلة المغادرة النهائية بالنسبة للراكب كاتب هذه الأسطر من السودان بعد خمسة عشر عاما عشتها في ربوع هذا البلد المضياف الكريم ذوي الأهل الحلوين. تزاوجت وتلاءمت أحاسيسي مع الصراع المستميت لطائرة الخطوط الجوية السودانية وهي تحاول الانسلاخ من جاذبية المقرن مثلها جاهدت وصارعت نفسي فراق هذا البلد الكريم المضياف الذي يقال عنه إنك تبكي عندما تزوره لأول مرة لما يستقبلك به من قساوة المناخ وجفاف المناظر لكنك تبكي عند ما تغادره بعد ما سبحت وغرفت بين طيبة أهله وبساطة حياتهم ونقاهتها ودفء نفوسهم، ومن المفارقات الغريبة أن نفس الصورة ونفس العبارة يقولها الوافدون من الخارج عند قدومهم ومفارقتهم لموريتانيا ولنفس الأسباب. أنا لم أبك عند قدومي للخرطوم لأول مرة (2 يناير 1995) لسبب بسيط هو قساوة المناخ وجفاف المناظر الذين يجلان الآخرين يبكون عند اصطدامهم فجأة بمثل هذه الظروف المناخية لبلدي، فالسودان وموريتانيا يقعان على نفس الخط المداري وبالتالي فإن المناخ هو هو والنباتات هي هي"القنقوليص" عندهم هو "تجمخت" عندنا و "العرديب" عندهم هو "أقنات" عندنا و "الكركدي" عندهم هو "إنبصاب" عندنا، كذلك فالكرم عندهم هو نفس الكرم عندنا، نتكافل ونتعاون ونتقاسم اللقمة فيما بيننا وأما ما يسمونه ساعة الفطور وهي لحظة يتوقف خلالها دوران الأرض في السودان ما بين العاشرة والحادية عشر صباحا من كل يوم ليتناول الجميع فيثها وجبة الفطور في أي مكان كان من الشارع إلى المتجر، والمصنع، إلى مكتب الوزير مرورا بالأسواق والورش ناهيك عن المطاعم والمقاهي. في هذه الساعة أنصحك أن لا تكلم أي "زول" أو تطلب منه القيام بأي عمل أو تقديم أي خدمة خلال هذه الفترة من اليوم، وإن شئت فاطلب، لكنك لن تجد من يرد عليك أو حتى يكترث بما تمعمع به من كلام ما لم تنته طقوس الفطرو بما في ذلك أكل صحن الفول السوداني وشرب البارد وكوب الشاي المثقل بالسكر. والغريب أن عادة الفطور هذه في السودان لها مثيلتها في موريتانيا وتسمى عندنا "أطاجين" وهي وجبة دسمة يحب الموريتانيون تناولها في نفس أوقات "الفطور" السوداني أي ما بين العاشرة والحادية عشر صباحا ليحتسوا بعدها الكاسات الثلاثة المقدسة عندهم من الشاي الأخضر بالنعناع. لم أبك عند لحظة وصولي للمرة الأولى للسودان لأني افتكرت أن شوارع الخرطوم هي نفسها شوارع انواكشوط فالنساء ترتدين التوب أي الملحفة عندنا والأسواق تتشابه بألوانها الزاهية وخليط ألوان أهلها بين الأبيض والأسود وفاتح اللون بينهما، والموسيقى التي تملأ الأجواء فيها هي خماسية السلم مثل ما هو طابع موسيقانا. وكيف أبكي من الشعور بالغربة و"شيه لحم الإبل" في "سوق الناقة" و "قندهار" هي نفسها "شبه الفلكة والكبدة والذروة" عندنا؟ لم أبك عند لحظة وصولي للمرة الأولى للسودان لأني وجدت شعبا عظيما يحترم بل يقدس أهل "بلاد شنقيط" لما أشاعه علماؤها من علم ومعرفة في ربوع مناطق السودان الشاسعة، فكل قرية سودانية كان لها "شنقيطها" إماما وقاضيا ومعلما. في هذا البلد يسمون أي شنقيطي ب "الشريف" ... سواء كان أم لم يكن ... فهم يعتقدون أن كل "الشناقيط" هم علماء وفقهاء... وسر هذا الاعتقاد يكمن وراء أن أهل السودان حباهم الله بنخبة علماء شنقيط الذين عندما يستكملون تحصيلهم العلمي في محاظر شنقيط المشهورة على مستوى العالم الإسلامي يشدون رحالهم عبر طرق الحج التاريخية لأداء فريضة الحج مهما كلفهم ذلك من عناء وتعب ومغامرات سيرا على الأقدام أو على الجمال، فكانت هذه الطرق تؤدي بهم إلى الأبيض والفاشر وانياله وغيرها من مدن وقرى كردفان ودارفور وأم درمان والخرطوم ويورسودان، فيجدون بيئة طبيعية واجتماعية مماثلة لبلاد شنقيط مثلما وجدتها أنا ولذلك لم أبك لحظة وصولي للمرة الأولى للسودان. كيف أبكي عند لحظة وصولي للمرة الأولى للسودان؟ فهذا موطن أجد نفسي فيه مرتاحا خالي البال مثل ما تسلك السمكة طريقها في مياه البحر... فهل تعلمون أن أول رئيس لأول برلمان سوداني هو محمد صالح الشنقيطي؟ وهل تعلمون أن اسمه مخلد إلى يومنا هذا. بشارع كبير باسمه في مدينة أم درمان العتيقة؟ وهل تعلمون أن عبد الله التعايشي الذي أنبأ المهدي برسالته يقال أنه قد يكون من أصل شنقيطي ومن مدينة تيشيت المصنفعة في التراث العالمي لليونسكو؟ كيف أبكي عند قدومي إلى بلدي الثاني؟؟؟ لكني بكيت واعترف بذلك فقد بكيت فعلا عند مغادرتي للسودان في اللحظى التي تجاهد فيها طائرة الإيرباص السودانية 300-600 للإنفلات من جاذبية أرض النيلين حيث كانت نفسي تصارع بنفس الجهاد مغادرة هذا البلد المحبوب بعد خمسة عشر عاما من عشرة أهله الكرام الطيبين. تعم بكيت عندما تذكرت أنني سأفتقد دفء وكرم وضيافة هذا الشعب العظيم بكيت عندما اقتلعت أولادي من منبع طيب لتربية الأولاد على الصلاة والصوم ومكارم الأخلاق، ومن حماية الشارع لأي طفل من أي من المارين سواء كان رجلا أم أمرأة، ففي شوارع الخرطوم كل المارة هم آباء وأمهات وإخوان وأخوات لأي طفل يمر بالشارع يردعونه عند الفساد ويحمونه من كل سوء، بكيت عندما تذكرت أجواء قيام الناس للعبادات وخاصة خلال شهر رمضان الكريم، عندما تكاد لا تجد مكانا تقف فيه أثناء صلاة التراويح وصلاة التهجد في العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم وعندما يستوقفك الناس في الشوارع لتشاركهم إفطارهم وهو مفروش على سفرة في الشارع. بكيت عند مغادرتي وأنا أكتب هذه السطور في الطائرة السودانية التي تعمدت أن أحجز فيها رحلة المغادرة النهائية للسودان... بكيت لأسباب أخرى كثيرة وكثيرة لا يمكن حصرها في هذا المقام... منها رحلات النزهة الممتعة في "سبلوجة" وفي "جبل أولية" والجزيرة وغيره.. بكيت لمفارقة الزملاء بالمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا بكيت عندما تذكرت الممازحة مع عم آدم وعم إسماعيل وعم أرياب، الفراشين بالمصرف عندما نختلف في معاني الكلام فكلمة "الليلة" عندهم تعني "الآن أو اليوم" بينما عندما في لهجتنا الحسانية تعني "هذه الليلة" فما بوسعي أن أقول لك يا شعب السودان العظيم؟ فقط.. مع السلامة.. ورمضان كريم آملا أن تصدق العبارة المعتاد قولها فيما بينكم، أن من يشرب "موية النيل" لا بد أن يعود. وداعا أشقائي أبناء السودان.. لم أبك لأني وجدت وطني وأهلي وعبق تاريخ الشناقطة لكني بكيت عند الوداع.

بقلم أبه ولد أبه

إعلان

الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

إعلان

 

 

البحث