نحن والديمقراطية..!! / الحسن مولاي علي

أربعاء, 03/03/2021 - 05:56

 

أسالت أقلام وطنية كثيرة، حبرا غزيرا مدرارا، في الٱونة الاخيرة، على المواقع، وصفحات التواصل الاجتماعي، سطرت به تدوينات وتغريدات ومقالات ووجهات نظر ومعالجات، حول الديمقراطية، من مختلف الجوانب؛ منشئا وأصلا، مصدرا وموطنا، قابلية وانتشارا، ضرورة وفاىدة، ومكانة بين نظم العالم، ثم عن امكانية وفائدة جلبها وتوطينها في غير بلدان المنشا، وبدائلها المتاحة، ومناطق الوصل والفصل بينها وبين شورى الإسلام، وتجاربها بين النجاح والفشل في دول العالم الثالث..

ومن الاقلام الوطنية التي تناولت موضوع الديمقراطية، بشكل عام، ثم عادت، فتوقفت عند عناوين على مستوى النظرية والممارسة،  قلم صديقنا العميد محمد فال ولد بلال، حيث جاء تناوله للموضوع، من موقع خبرة سياسي مخضرم، عايش التيارات الحركية الوطنية وخبرها، ثم تقلد وظائف سياسية وتوجيهية سامية، قبل ان تسند إليه الشؤون الخارجية والتعاون، وزيرا، ثم ينتدب سفيرا لدى عدد من العواصم الشقيقة والصديقة؛ وهو يجمع إلى تلك الخبرة، موقع المسؤولية، حيث إنه يتولى الأن قيادة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات؛ المطبخ الحصري للمنتج الموريتاني، في مجال الديمقراطية.

الديمقراطية على مائدة العميد  محمد فال بلال تغري المتطفلين، خاصة ممن اعتادوا اقتحام الباب على"فالي"دون استئذان، والإدلاء عنده بالراي والراي الٱخر، ولو كان  المتفق عليه يسع قولا على قول؛ ومن المتفق عليه ان الديمقراطية، باعتبارها ٱلية توافقية ةمحايدة، للتداول السلمي على السلطة، عن طريق الاختيار الحر للناخبين، بلا إكراه، مع النزول طوعا على راي اغلبية المقترعين، من المتفق عليه إذن ان الديمقراطية، بهذا الاعتبار، هي افضل ما توصلت إليه الإنسانية الراشدة، للتناوب على الحكم بين سعاته، بعيدا عن الحروب والقتل والقتال.

قد يبادرك البعض: كيف تقول ذلك عن مجرد منتج غربي مستورد، لا يناسب محتمعاتنا ولا هي تناسبه؟ وهو قول، وإن كان يعبر في شقه الاول عن حقيقة مطلقة وبسيطة؛ فإنه بستبطن في الشق الثاني منه سخرية فجة، من حق مجتمعاتنا الإسلامية في اختبار من يحكمها بإرادتها الحرة؛ ثم إن الديمقراطية ليست المستورد الأجنبي الوحيد؛ بين ايدينا، فالغرب الذي انتجها هو من حد لدولنا حدودها، وهو من منحها اسماءها، واختار لها الوان اعلامها، وسن لها مناهجها، تربويا وسياسيا، وإداريا، وفصل نظام الحكم في كل منها، بل، وهو من اختار، احيانا كثيرة، اسماء وصفات من يستأمنهم على تبعية بلداننا الدائمة له؛ اقام ام ارتحل.

تلك هيمنة الغرب على عالم اليوم، لا مكابرة فيها، وتقوم على ميزان قوة يميل لصالحه، منذ استعمر العالم؛ وكل بلدان العالم الثالث، ونحن منها، مرتهنة لتلك الهيمنة، بلا فكاك؛ ويخطئ من يحسب انها إنما تتعلق بالسياسات وخيارات الدول، وتوجهاتها، بل نحن رهن لها، كشعوب، حتى فيما ناكل و ما نشرب، وما نلبس وما نركب وما ننتعل وما نسكن، بل واخشى ان اقول إننا رهائن لها فيما نعلم وما نقول وما نرى وما نسمع..!!، افلا بكون من حقنا، بل هو من واجبنا، التمتع بما تتيحه الديمقراطية من مزايا، جلبا للمنافع ودرءا للشرور؟

صحيح ان الديمقراطية، كمنظومة فلسفية اجتماعية واخلاقية، هي منتج غربي، موغل في القدم، نشا في اليونان، وشهد اولى تطبيقاته كبار ارباب العقول من الفلاسفة التاريخبين، ثم اندثرت الحضارة اليونانية، فورث العالم فلسفاتهم وتراثهم، وكان من اعلام تاريخنا من ساهم في نشره، ثم وعبر الزمن طور أهل الغرب، بين أمور اخرى، ٱلية الديمقراطية لحسم الصراع السياسي، ضمن ممارسة منضبطة، ذات قواعد واصول مرعبة، للتناوب، الحكم فيها أصوات الناخبين، وليس اسلحة المقاتلين.

بتلك الخلاصة، يمكن التأكيد على ان الديمقراطية تلتقي في الغاية والوسيلة، مع مقتضى المرجعية الإسلامية العليا التي جعلت امر المسلمين شورى بينهم، منذ بضع واربعمائة والف من السنين. تلك هي سمة الشورى التي نص عليها  كتاب الله، سمة من سمات مجتمع المسلمين، في سورة مكية تحمل اسمها (سورة الشورى)، قبل نشأة ذلك المجتمع نفسه؛ وكان لافتا ان السورة عرصت السمات مرتبة، من الإيمان إلى العفو، فجاء موقع الشورى بين الصلاة والزكاة؛ لذلك لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم، في السلم ولا في الحرب، ولم يخالف راي الاغابية قط، بل كان ينزل على راي الاغلبية، قط وهو النبي الموحى إليه، من الله، صلى الله عليه وسلم.

غابت سمة الشورى واستحقاقاتها مبكرا، عن سدة الحكم وتدبير الامر العام، مباشرة بعد منام النبي صلى الله عليه وسلم، فلقد كان حضورها باهتا، في سقيفة بني ساعدة، مما جعل بيعتها "فلتة وقى الله المؤمنين شرها" على حد تقييم عمر بن الخطاب، ثم استمر غيابها، إلا فيما بتعلق  ببعض قرارات مصيرية دأب الخلفاء على دعوة كبار الصحابة إليها. كما غابت كليا عن إدارة الاقاليم والولايات وبعوث الفتوح؛ وما كاد عهد كبار الصحابة (عهد الراشدين) الذي تم تمييزه بتلك الصفة، نفيا لها عما بعدهم، حتى توقفت الشورى بالكامل، وعاد الصراع، قبليا وطائفيا ثم عرقيا، طريقا أوحد إلى كرسي الملك العضوض الذي طبع التاريخ وما زال هو طابع الحكم في معظم بلداننا.

تلك حقاىق تاريخية صارخة لا تقبل النفي، تعيش بٱثارها شعوب المسلمين، اليوم، في جل اقطارها حاضرا مريضا، ناظمه الاستبداد والتخلف، فلا هو يسر صديقا، أو يسوء عدوا؛ وفيما تتغنى شعوب الامة بما تعده مجدا تاريخيا، تجر وراءها تراثا متلاحقا من الحروب والدماء والدموع والاشلاء والدمار تتخلله فترات قهر، السيادة فيها للسيف، والحكم فيها للأهواء، في انتظار عاصفة ثأرية جديدة، تفجر بركان حرب انتقام، تمهد لاستبداد وطغيان جديد.. وهكذا دواليك..!

ما يعلمه المؤرخون، حق العلم،   وإن جهلته الدهماء، وتجاهلته بعض الطواىف لأسباب تخصها، واجتهدوا في صرف الناس عنه، هو حقيقة أن انظمة الاستبداد التاريخية التي طغت على الأمة، منذ ما بعد عهد الراشدين، كان منتجا أجنبيا مستوردا، مصدره الغرب والشرق، معا، ولا علاقة له بضوابط الشورى الإسلامية او بفريضة العدل؛ وٱية ذلك أن من المتواتر، الذي لا دفع له، أن  الصحابة ممن عاشوا استيلاء ٱل أبي سفيان على الامر، اعتبروها قيصرية-كسروية، مستنسخة عن تقاليد نظم فارس والروم.

باتت تلك القيصرية الكسروية نهجا رسميا لكل من تحكم في العالم العربي او الاسلامي، او اي جزء منهما، ثم تولى فقهاء السلطان، من كل عصر، تقاة من بعضهم، وازدلافا من ٱخرين، تولوا تبرير الضد وضده، في الفتاوى، وفي مطولات الخطط والاحكام السلطانية، وهي التي قتلت الشورى حتى شبعت موتا، ثم دفنتها، وبنت جدرا عازلة دون جدثها لتمنع الزيارة عنها، با وتعتبر التذكير بها خروجا على الشرع الحنيف..!!

من هنا يكون الرد على السؤال:  " لم لم تكن الديمقراطية، يوما، مطلبا ملحا لمجتمعاتنا العربية والإسلامية المعاصرة"والجواب بسيط، فإن من شعوبنا تلك من حكمها لانقلابيون، فاستخفوها، فاطاعهتم، وربما الهتهم، فهي ركع سجد على وقع المارش العسكري، فمن رفع منها رأسه أعيد إلى بيت الطاعة بالقوة؛ ثم هناك شعوب حكامها قارونات المال، وقد اغرقوها في الوفرة والملذات، والتكاثر في الاموال والاولاد، فبقاء حالها من بقاء من يعلفها.

لكن تلك الشعوب استيقظت، لتبعث لجلاديها، مع موجة الربيع العربي الأولى رسالة مؤداها أن ثمن محاصرتها خارج  التاريخ الإنساني، سيكون باهظا، فهي جزء من عالم القرن الواحد والعشرين، حيث كشف كل مستور، وما عاد الاستبداد والفساد واستخفاف الشعوب، سلعة رائجة، بل سواة مقززة، لا ساتر لها، ولا بد لتلك الشعوب من تنفس هواء نظيف، تصنعه في معمل الحرية والديمقراطية؛ وقد افلست، وابلست كل البداىل المعاكسة لحركة التاريخ. ولا بد للشعوب من دخول العصر من بوابات الحرية والاختيار الواعي وٱدمية الإنسان المكرم من خالقه.