مع القرآن لفهم الحياة (9) / المرابط ولد محمد لخديم

 

  فالقرآن هو الفيصل في الدين واللغة العربية، وفي ذالك يقول المستشرق الألماني

(يوهان فك): " إن لغة القرآن تختلف اختلافا غير يسير عن لغة الشعراء السائدة في الجزيرة، فلغة القرآن تعرض من حيث هي أثر لغوي صورة فذة لا يدانيها أثر لغوي في العربية على الإطلاق. ففي القرآن لأول مرة في تاريخ اللغة العربية يكشف الستار عن عالم فكري تحت شعار التوحيد، لا تعد لغة الكهنة والعرافين الفنية المسجوعة إلا نموذجا واهيا له من حيث وسائل الأسلوب، ومسالك المجاز في اللفظ والدلالة" (37)

          ولو تتبعنا اللغة العربية في العهد الإسلامي لوجدنا كتاباتها متأثرة في المبنى والمعنى بالقرآن ويليه الحديث، ومن أمثلة الكلمات والتعابير المتداولة في اللغة العربية والتي ترجع في أصلها إلى القرآن: (العروة الوثقى. سنة الله. مثقال ذرة. أسوة حسنة. المثل الأعلى. بكرة وأصيلا. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..).

          وإلى جانب القرآن يوجد الحديث الذي ترك آثاره على اللغة العربية أيضا(38)

          فاللغة العربية إذن هي وعاء الثقافة الإسلامية، وهي الأداة المثلى لمعرفة مبادئ الدين الحنيف وفهم أحكامه, وهى اللغة الوحيدة في العالم التي ترتبط بالدين ارتباطا لا انفصام له. فهي لغة الإسلام لأنها لغة القرآن الكريم. ولغة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

        وهذا الارتباط يأتي في أن القرآن الكريم كان له الدور الكبير في توجيه وتطوير وتقويم اللغة العربية فمن أجل ذالك كان لا بد لمن أراد العكوف على دراسة العربية وآدابها من أن يعكف على دراسة القرآن وعلومه، وكلما ابتغى مزيدا من التوسع في العلوم العربية وثقافتها، احتاج إلى مزيد من التوسع في دراساته القرآنية المختلفة. ويلخص البوطي هذه الحاجة وأسبابها في النقاط التالية:

        السبب الأول: أن هذا الكتاب العربي المبين، هو أول كتاب ظهر في تاريخ اللغة العربية(39) وإنما نشأت حركات التدوين والتأليف بعد ذالك على ضوئه وسارت بإشرافه، وتأثرت بوحيه وأسلوبه.

ومن أجل ذالك ، كان مظهرا هاما للحياة العقلية والفكرية والأدبية التي عاشها العرب فيما بعد، فكيف يتأتى أن يكون هذا الكتاب مع ذالك بمعزل عن العربية وعلومها وآدابها؟!..

        السبب الثاني: أن اللغة العربية إنما استقام أمرها على منهج سليم موحد، بسر هذا الكتاب وتأثيره، وهي إنما ضمن لها البقاء والحفظ بسبب ذالك وحده.

         فقد كانت اللغة العربية من قبل عصر القرآن أمشاجا من اللهجات المختلفة المتباعدة، وكان كلما امتد الزمن، ازدادت هذه اللهجات نكرة وبعدا عن بعضها وحسبك أن تعلم أن:

        المعينية، والسبئية، والقتبانية، واللحيانية، والثمودية، والصفوية، والحضرمية، كلها كانت أسماء للهجات عربية مختلفة، ولم يكن اختلاف الواحدة منها عن الأخرى محصورا في طريقة النطق بالكلمة، من ترقيق أو تفخيم أو إمالة أو نحو ذالك, بل ازداد التخالف واشتد إلى أن انتهى إلى الاختلاف في تركيب الكلمة ذاتها وفي الحروف المركبة منها، وفي الإبدال والإعلال والبناء والإعراب.

           فقضاعة مثلا كانت تقلب الباء جيما إذا كانت باء مشددة أو جاءت بعد العين، وكانت العرب تسمي ذالك: عجعجة  قضاعة، ومن ذالك قول شاعرهم:

خالـي عويـف وأبـو علبـــجّ

           المطعمــان اللحـم بالعشـــجِّ

وبالغــداة قطــع البرنـــجِّ

           يؤكـل باللحـم و الصيصـــجّ

             وحمير كانت تنطق ب "أم" بدلا من "أل" المعرفة في صدر الكلمة، وكانت العرب تسمي ذالك طمطمانية حمير.

            ومن ذالك قول أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله:أمن أمبر امصيام في أمسفر؟ يريد أن يقول: هل من البر الصيام في السفر؟

          وهذيل كانت تقلب الحاء في كثير من الكلمات عينا، فكانوا يقولون أعلَّ الله العلال بدلا من أحل الله الحلال...

        وهكذا دواليك......يتواصل...