رسالتي إلى الأُدباء في يوم الميقات / التقي ولد الشيخ

جمعة, 10/15/2021 - 16:46

 

رسالتي إلى الأُدباء في يوم الميقات
في اجتماع سابق ترأسه الأمين السابق لوزارة الثقافة السيد محمد ولد عبد الله السالم للنظر في مسألة اتحاد الأُدباء والكتاب الموريتانيين طالبتُ الوزارة بحجب الميزانية عن الاتحاد سبيلا إلى تقارب وجهات النظر، فما كان من الأديب زهير إلا أن قال بظرافة أهل هدار المعروفة "آنَ بعْد اتحاد دافرْ مانِ فيه"
وتلك ــ لعمري ــ  فلسفة اعتنقها لفيف من المبدعين من لدن زهير بن أبي سلمى إلى أيام سميِّه هذه؛ ألم يقل صاحب الدينارية:
فلا مجد في الدنيا لمن قلَّ ماله
                  ولا مالَ في الدنيا لمن قل مجدُه 
ومع أن حُرفة الأدب ظلت تلاحق أجيال الشعراء فإن الشاعر ظل فرَطا على حوض المكارم بيده الدخول إلى بيت المجد المصمَّد:
ولولا خصالٌ سنها الشعر ما درى
                    بغاة العلا من أين تؤتى المكارمُ
ويسرني اليوم وقد اختار الفرقدان بعد طول الأُلفة غيرَ ما اختاره ابن مالك، ووقفا على ثنية الوداع أن أُوصيهما بالأدب خيرا، وأصعب الفراق أن يُودع بعضك بعضك:
ﮔولْ الْـﮔرْمِ عَنِّ شاعر@ وامغن ﮔُولْ الْهَ عَنِّ
واعلَ ملانَ ما واعر@حد إجِ شاعر وامغن
ولئن قضت مصلحة الأدب بفراق المُحصب  بين  "الشاعر" و"لمْغنِّ" فإن كل واحد منهما سيظل يحن إلى الآخر حنين"هلْ" إلى الفعل لسابق الأُلفة، ولئن طال التباعد الاجتماعي أهل الأدب كما طال سواهم جراء الجوائح والأمراض فإن القلوب مطوية على خالص الود وصادق المحبة، وكما قال حبيب:
إنْ يُكد مُطَّرف الوداد فإننا
              نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلفْ ماء الوصال فماؤنا
             عذبٌ تحدر من غمام واحد
أو يفترقْ نسبٌ يُؤلِفْ بيننا
             أدبٌ أقمناه مقام الــوالد

أعلم أن مغردة الحي لا تطرب، وأن من الغنم من تنطح خير حالبيها، ومع ذلك أتمنى أن لا يدخل الاتحاد إلا من تعضده الأهلية الأدبية بمفهوم الأدب الواسع إبداعا وخُلقا.
المبدع الحق يا سادة الكلمة هو ذلك الذي يشغله جمال قصيدته عن جفاف عصيدته متمثلا قول ابن الدمينه:
فإن أهلك فقد خلفت بعدي
         قوافي تعجب المتمثلينا
رقيقات المعاني محكمات
      لو أن الشعر يُلبس لارتدينا
ولئن خط جدنا الشيخ ولد المنى ـ رحمه الله ـ خارطة طريق لشعراء عصره قائلا:
أصون بليغ الشعر عن غير مُستحقْ
          من الناس إطراءً لعلي لم أُحِقْ
وعن طمع الدنيا وجمع حُطامها
        وما كان منها في أماكنَ مُفترقْ
وما كان يُزْري بالمروءة جمعه
       من أوساخ أيدي الناس أوراقاً أو وَرِقْ
وعنْ هجو مرءٍ مسلم قد أتيته
       ولم يكترثْ بي في المناهل والطرقْ
حياءً من الله العلي وعفةً
       وصونا لنفس الحر عن سيئ الخلقْ
وما ذاك مني عن قصور بلاغة
               فإني في ميدانها فارس حذقْ
فإن ذلك لا يُخرج من تنكب تلك الطريق من دائرة المبدعين فالأدب أولا وأخيرا ملمح فردي.
إخوتي الأُدباء:
أعلم أن هناك حجرا لم يزل عالقا بين السماء والأرض لأنه قرر أن لا يسقط إلا على من  لا يرى لنفسه فضلا ولا قيمة، ومرتادو الأجناس الأدبية  في أيام الجلوس خلف لوحة المفاتيح يستسمنون الورمْ، وينفخون في غير ضرمْ، كأنما عناهم ابن المعلى بقوله:
أرى أدعياء الشعر فيه تفننوا
                 ولم يستحوا أن يهرفوا ويمينوا
ومن كثرة الدعوى العريضة فيهم
                     تشابه غثٌّ منهم وسمــينُ
فكيف لمن هذه صفتهم أن يصيخوا لناصح ربما يفتقد الأهلية القارَّة في أذهانهم، ومع ذلك فأرجوا أن لا يقلد الأُدباء أمرهم إلا من ثبتت كفاءته، وعُلمت نزاهته، ونطقت ثقافته، ممن لم يمسح خُفَّا، ولم يضرب دُفَّا.
إخوتي الأُدباء:
إنَّ اتحادا يسمح لعديمي الموهبة بتسور محراب الكلمة الصقيلة هو اتحاد يحمل في طياته بذور هدمه، وأتمنى أن  لا أضطر إذا  انفسح العمر إلى إنشاد قول الجُشمي:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
               فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد