موريتانيا: فتوى رسمية بحرمة التعامل مع البنوك غير الإسلامية

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
استوقفتني اليوم فتوى واضحة جريئة للمجلس الأعلى للفتوى والمظالم (وهو جهة الفتوى الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، وتتبع لرئاسة الجمهورية) يفتي فيها المجلس بعدم جواز فتح الحسابات في البنوك “الربوية” ما دام المتعامل يجد بنكا إسلاميا.
إليكم نصّ الفتوى:

الفتوى رقم: 185/ 2015م: حكم فتح الحسابات في البنوك الربوية

السؤال: فتح الحساب في البنوك الربوية وسيلة قد تستخدمها البنوك في استثمارات وتمويلات ربوية؛ هل يجوز عند الحاجة سائر أنواعه ما لم تترتب عليها فوائد؟ أم الجواز في بعض الحسابات؟ أم أن ذلك يختص بالمناطق التي لا توجد فيها مصارف إسلامية؟
وما هي حدود الحاجة المسوغة لذلك عند امتناعه؟

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه؛
و بعد: فمن المعلوم لعن آكل الربا، وأنه من الموبقات، وما يترتب على تعاطيه من فساد الدين والدنيا، وأن البنوك التقليدية تتعاطى الربا بأشنع صوره، ولذلك ينبغي الابتعاد عن التعامل مع المصارف الربوية خشية الوقوع في الربا، فيتعين الابتعاد عنها ما وجد لذلك سبيل، وانطلاقا من هذا فإننا نقول:
أ- إذا وجدت مصارف إسلامية خالية من المعاملات الفاسدة فيتعين الانصراف إليها وعدم فتح الحسابات في غيرها، للحديث: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك” ، وفي الحديث: “فرمن المجذوم فرارك من الأسد” ، ونحن نقول لك: فر من الربا فرارك من الأسد.
ب- إذا لم يوجد بديل إسلامي سالم من المعاملات الفاسدة، فيجوز من فتح الحسابات في البنوك غير الإسلامية ما سلم من المراباة ودعت إليه الضرورة أو الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة، وتقدير الضرورة والحاجة يختلف باختلاف الناس واختلاف الظروف والأحوال.
وإذا دعت لذلك الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فعلى صاحب الحساب أن يحترز من أن يترك في حسابه ما يكون فيه عون للمؤسسة على أنشطتها الربوية، وإذا دعته ضرورة إلى أن يبقى في حسابه مال فلتكن نيته بقاءه لحاجته كارها بقلبه استخدامه في أي نشاط ربوي، متمنيا منعه ذلك لو كان يقدر عليه.
وإنما قلنا هذا كله لشدة حرمة الربا وشؤمه وشدة ما ورد فيه من الوعيد، ولم نقل بالمنع نهائيا لأمرين:
1- ضرورات العصر وحاجاته وظروفه المعقدة، وقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” من القواعد المتفق عليها عند فقهاء المذاهب الأربعة، ويستدل لها من القرآن بأدلة عديدة؛ منها قوله تعالى: [وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه] ، وقوله تعالى: [فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم] ، ومن السنة ما رواه أبو داود أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده فقال رجل إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته انحرها، فأبى فنفقت، فقالت اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله، فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله فقال: “هل عندك غنى يغنيك؟”، قال: لا، قال: “فكلوها”، قال فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال هلا كنت نحرتها قال استحييت منك .
وقد ذكر أهل العلم مما يدل لجواز الأخذ بالضرورات أمثلة كثيرة منها ما ذكره البرزلي قال: تجوز المعاملة الفاسدة لمن لا يجد مندوحة عنها كالإجارة والمزارعة والشركة وغير ذلك من سائر المعاملات، وقد روي عن الفقيه ابن عيشون أنه خاف على زرعه الهلاك فآجر عليه إجارة فاسدة حين لم يجد الجائزة، قال: ومثله لو عم الحرام في الأسواق ولا مندوحة عن غير ذلك، والمبيح الضرورة كما جاز للمضطر أكل الميتة.
وقال الجزولي عند قول الرسالة: و لا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع… .إلخ ما نصه: انظر على هذا لو اضطر إلى المعاملة بالحرام مثل أن يكون الناس لا يتعاملون إلا بالحرام ولا يجد من يتعامل بالحلال هل له أن يتعامل بالحرام أم لا؟. وقد قال عليه السلام: “لو كانت الدنيا بركة دم لكان قوت المؤمن منها حلالا” ، وكذلك إذا كان لا يجد من يزرع إلا بكراء الأرض بما تنبته أو كان لا يجد إلا من يشترط شركة فاسدة وليس له صنعة إلا الحرث أو مثل الحصاد بالقبضة إذا كان لا يجد من يحصد إلا بها قال الشيخ: أما إذا تحققت الضرورة فيجوز.
وقال أصبغ: ينظر إلى أمر الناس فما اضطروا إليه مما لا بد لهم منه ولا يجدون العمل إلا به فأرجو أن لا يكون به بأس إذا عم .
وعن ابن السراج أنه أجاز إعطاء السفينة بالجزء مما يحصل عليها، ومثله الجباح بالجزء من عسله، والزرع من يحرسه بجزء منه؛ ومذهب السلف جواز الإجارة بجزء منه قياسا على القراض .
وعلى ذلك تخرج أجرة الدلال بربع عشر الثمن مثلا، ونص على جوازها بذلك صاحب المعيار؛ حيث قال: سئل سعيد بن لب عمن له جباح أعطاها لمن يخدمها بجزء من غلتها هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب: أما الحكم في إعطاء الجباح بحظ العامل فالمنع على أصل المذهب، لأنه عمل في إجارة بأجرة مجهولة الأصل والقدر، كما يمتنع ذلك في الأفران والأرحاء، وإنما يجوز ذلك عند من يستبيح القياس على القراض والمساقاة، حكي هذا الأصل عن ابن سيرين وجماعة، وعليه يتخرج عمل الناس اليوم في أجرة الدلال، لأنها مجهولة، لكن ألجأ الناس إلى ذلك قلة الأمانة وكثرة الخيانة، كما اعتذر مالك بمثل هذا في إباحته تأخير الأجرة في الكراء المضمون في كراء الحج، لأن المكري إذا أخذ كراءه نقدا ربما يفر عن الناقد ويتركه، فهذه عنده ضرورة إباحة الدين بالدين.
وضرورات العصر اليوم كثيرة ومعقدة مثل ضرورة السكن والعلاج والدراسة والتأمين وحفظ المال وغيرها.
2- أن هذه البنوك الربوية إما أن يكون بعض مالها حلالا كرأس المال وبعضه حراما كالفوائد الحاصلة من الربا، وإما أن يكون كله حراما، وللفقهاء في معاملة من كان هكذا مذاهب وآراء.
فقد سئل ابن رشد عن حكم أموال الظلمة والمرابين والمرتشين وأشباههم من المخلطين وما يجوز من معاملتهم، وملخص جوابه أن هذا الصنف من الناس يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى ويقلع عن الحرام، واختلف إذا لم يفعل ذلك في جواز معاملته وقبول هديته وأكل طعامه؛ فأجاز ابن القاسم معاملته، وأبى ذلك ابن وهب، وحرمه أصبغ.
وقبول هديته وأكل طعامه محمول على ذلك، وقال ابن القاسم: هو القياس؛ لأن الحرام قد ترتب في ذمته فليس متعينا في جميع ما في يده، وأما قول ابن وهب فوجهه أن الحرام لما اختلط بماله صار شائعا فيه فإذا عامله في شيء منه فقد عامله في جزء من الحرام فرأى ذلك من المتشابه ، ومنع على وجه التوقي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام…” .

والله الموفق