قمة G5 في نواكشوط.. نجاح دبلوماسي جمع كل أوراق القوة والتأثير والإقناع.

 

 رغم الظرف الدولي الحساس والمشحون بالخوف من تفشي جائحة كورونا، استطاعت الدبلوماسية الموريتانية بثقتها الكبيرة لدى المجتمع الدولي أن تعقد أول قمة واقعية في العالم منذ انتشار الجائحة، بعد أن اقتصرت قمم الأشهر الأخيرة على الانعقاد عبر خدمة "الفيديو كونفيرانس" في العالم الافتراضي.

حضر القمة جميع رؤساء دول الساحل الخمس المشكلة لمجموعة الخمس(G5)، بالإضافة إلى الرئيس الفرنسي، ورئيس الوزراء الإسباني، ورئيس لجنة الاتحاد الإفريقي، والأمينة العامة للمنظمة الدولية للفرانكفونية، فضلا عن حرص المستشارة الألمانية ورئيس الحكومة الإيطالية والأمين العام للأمم المتحدة ورئيس الاتحاد الأوروبي على المشاركة في القمة عن بعد، رغم انشغالاتهم الجمة.

قمة نواكشوط خصصت لمتابعة مدى تنفيذ خارطة طريق قمة "بو" للدول الخمسة بالساحل وفرنسا، قبل ستة أشهر في جنوب غرب فرنسا، فكانت نجاحا دبلوماسيا غير مسبوق وفي ظرف حساس لم يؤثر في الحضور النوعي في القمة التي نالت مقاربتها الأمنية ثقة الشركاء.

وكان خطاب رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني في قمة G5 بنواكشوط معبرا عن تطلعات شعوب المنطقة التي تواجه تحديات رباعي الجوع والجهل والمرض والإرهاب، وتكابد اليوم من أجل تجاوز محنة كورونا.

فقد جدد الرئيس الدعوة باسم نظرائه في دول الساحل الخمس للإلغاء المباشر لديون الدول الخمس، وتوفير الدعم المعتبر لخططها الوطنية المختلفة من أجل مساعدتها في تجاوز الازمة المتعددة الأبعاد، داعيا إلى عقد قمة دولية حول الديون.

كما تحدث في خطابه عن إنجازات دول الساحل و التحديات التي لا زالت تواجهها في مجال الارهاب والتنمية وغير ذلك مما يشغل بال قادة هذه البلدان وشعوبها.

وأوضح فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن قمة "بو" في فرنسا ﺧﺼﺼﺖ ﻟﻠﻮﺿﻊ ﺍﻷﻣﻨﻲ ﻓﻲ ﺷﺒﻪ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻭ ﺗﻢ ﻓﻲ ﺃﻋﻘﺎﺑﻬﺎ ﻗﻴﺎﻡ ﺗﺤﺎﻟﻒ ﺍﻟﺴﺎﺣﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﺗﻜﺰ ﻋﻠﻰ ﺃﺭﺑﻊ ﺩﻋﺎﺋﻢ ﻫﻲ ﻣﺤﺎﺭﺑﺔ ﺍﻹﺭﻫﺎﺏ ﻭﺩﻋﻢ ﺍﻟﻘﺪﺭﺍﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﻭﻗﻮﺍﺕ ﺍﻷﻣﻦ ﻭﺗﻌﺰﻳﺰ ﻋﻮﺩﺓ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻷﺯﻣﺔ ﻭﺩﻋﻢ ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔ، وأضاف: "ﺇﻧﻨﺎ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﻄﻤﺌﻨﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻛﻮﻥ ﻫﺬا ﺍﻹﻃﺎﺭ ﻗﺪ ﻣﻜﻦ ﻣﻦ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺗﻘﺪﻡ ﻣﻌﺘﺒﺮ".

وبلغة التحدي والصرامة والثقة في المستقبل قال  رئيس الجمهورية أن جهود قادة دول الساحل ستتواصل ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺗﺤﺴﻴﻦ ﻣﺴﺘﻮﻯ الأنشطة ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻣﻴﺪﺍﻧﻴﺎ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ "ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻞ أﺣﺪ أﺑﺮﺯ ﺗﺤﺪﻳﺎﺕ ﻣﻌﺮﻛﺘﻨﺎ ﺍﻟﻨﺒﻴﻠﺔ"، بحسب تعبير الخطاب.

وحتى لا تكون لغة الخطاب طوباوية ومفرطة في التفاؤل المتجاهل للوضع الميداني، أكد ولد الشيخ الغزواني على أن ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ ﺍﻟﺤﺎﺻﻞ "ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺭﻣﺰﻳﺘﻪ ﻭﻛﻮﻧﻪ ﻳﺤﻤﻞ ﺁﻣﺎﻻ ﺟﺴﺎﻣﺎ، ﻳﺒﻘﻰ ﻧﺎﻗﺼﺎ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﺣﺠﻢ ﺍﻟﺘﺤﺪﻳﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﺐ ﺭﻓﻌﻬﺎ ﻓﺎﻟﺘﻄﺮﻑ ﺍﻟﻌﻨﻴﻒ ﺑﻤﺨﺘﻠﻒ ﺍﺷﻜﺎﻟﻪ ﻣﺎﺯﺍﻝ ﻳﺴﺘﻮﻃﻦ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻓﻀﺎﺀ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﺑﺎﻟﺴﺎﺣﻞ ﻭﻳﺘﻮﺳﻊ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﻘﻠﻖ ﻧﺤﻮ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺟﺪﻳﺪﺓ". 

ونبه رئيس الجمهورية إلى أن "تطور ﺍﻷﺯﻣﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﻣﻨﺬ 2011 ﻳﺴﺘﺪﻋﻲ ـ ﻭﻷﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻣﺒﺮﺭـ ﻣﻨﺎ ﻣﺰﻳﺪ ﺍﻟﻴﻘﻈﺔ ﺣﻴﺚ ﺃﻥ ﺍﻻﺯﻣﺔ ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻞ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻤﺴﺒﺒﺎﺕ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﺘﺪﻫﻮﺭ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﻓﻀﺎﺀ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﺑﺎﻟﺴﺎﺣﻞ ﺗﻮﺍﺻﻞ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺗﻐﺬﻳﺔ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﺍﻹﺭﻫﺎﺏ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺍﻟﻨﺸﻄﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺎﺣﻞ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺗﻬﺮﻳﺐ ﺍﻻﺳﻠﺤﺔ ﻭﺍﻟﺬﺧﻴﺮﺓ ﻭﺍﻟﻤﺨﺪﺭﺍﺕ ﻭﺍﻻﺗﺠﺎﺭ ﺑﺎﻟﺒﺸﺮ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺘﺪﻋﻲ ﻣﻨﺎ ﺟﻌﻠﻬﺎ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺿﻤﻦ ﺍﻭﻟﻮﻳﺎﺕ ﻋﻤﻠﻨﺎ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻙ".

أما البيان الختامي لقمة نواكشوط فقد دعا إلى مواصلة تعبئة الموارد من أجل تنمية فضاء مجموعة الخمس في الساحل، فإرادة قادة الدول الخمس متوفرة للمضي في تنفيذ المقاربة الأمنية التي أظهرت نجاعتها، حتى في الظروف الاستثنائية التي فرضها كورونا.

كما ناشد رؤساء دول المجموعة، المنظومة الدولية توفيردعم عسكري أكثر لمحاربة شاملة للإرهاب في منطقة الساحل، بغرض تعزيز قوات دول الساحل الخمس المرابطة في الميدان، والتي حققت العديد من المكاسب على حساب التنظيمات الإرهابية الناشطة في المنطقة.

ويرى المراقبون أن قمة نواكشوط اليوم كانت ناجحة بكل المقاييس، سواء تعلق الأمر بالظرف الزمني غير المواتي، أو بنوعية وكم الحضور غير المسبوق، أو بقدرة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على إدارة الملفات الحساسة في أحلك الظروف.. وهو نجاح يعتبره البعض نتيجة حتمية لدبلوماسية موريتانية جمعت كل أوراق القوة والتأثير والإقناع.

وكالة الوئام الوطني للأنبا

القسم: