أزمة مواطن وخور نخب / الولي سيدي هيبه

 

إن كثير الدلائل التي تشير إلى أن ضعف مسار البلد وتأخره، عن الركب الأممي عموما والإقليمي ولانتماءاتي خصوصا، تعود بالأساس إلى خور النخب القيادية والفكرية وانزياحها بزاوية مفتوحة بعيدا عن أدوارها الطبيعية على النقيض تماما من جميع نخب العالم في بلدانها وإن تباينت باختلاف البلدان ومشاربها السياسية وأبعادها العقائدية والنفسية والفلسفية، وفي مستويات الأدوار لديها بتباين مواقعها وخلفياتها التاريخية ومناهجها التربوية والنهضوية والعملية.

وإن خور هذه النخب، في المنكب البرزخي للفضاء العروبي الإسلامي، ونقطة التلاقي الحضاري بين العالمين الافريقي والعربي، ومهبط الألقاب العتيدة كأرض المليون شاعر وبلاد المنارة والرباط وأرض الملثمين من الحياء، يسد هذا الخور ومنذ نشأة الدولة الباب ـ في مغالطة خطيرة لمنطق التاريخ ومنطلق الوعي المدني الذي أدخله الاستعمار للطلاق مع فوضى "اللادولة" وغلبة إملاءات "السيبة" ـ أمام وعي الشعب، ولتسجنه هذه "النخب" أيضا عن مدارك العصر وآفاق الوعي الذي تتيحه العولمة في كل اتجاهات فضائها اللامتناهي:

ـ نخبة الثقافية آثرت العلوم الإنسانية والآداب لتكبل بأصفاد الكلام مشاعر التوق إلى الحركة ومدارك تعلم سبلها واتباع مراميها وللتشييد بها الصروح المعمارية والاقتصادية ورغد العيش من العمل والابداع والبناء،

ـ نخبة سياسية حولت الخلافات والمجابهات ما قبل الدولة إلى دسائس بحلة جديدة وغدر يمحت من تقنيات أساليب الحداثة، وتقويض كل مسار يولد لبناء الكيان وإخراجه من رجعية التعامل وقوانين منطق اللادولة،

ـ نخبة علمية لا تسخر معارفها بتاتا للبناء ولكنها تصعد بشهاداتها سلما إلى المطامع في الثراء السهل بعيدا عن ميدان التطبيق وإسناد العمل التنموي.  

ولما أن فضاءات التواصل الاجتماعي قد عرت هذا الخور وساعدت الشعب في قواعده العريضة على إدراك الواقع "المرتهن" من طرف هذا الخور "النخبوي" الممنهج وركبته "النخب" إلى الماضوية إبقاء لها وإحياء وتقديما، فإن هذه الفضاءات أسهمت على حين غرة وبفاعلية لا محدودة في تنوير العقول وكشف المستور.

وما النقاشات المحتدمة على صفحات هذه الفضاءات من خلال بواباتها ونوافذها ومنصات مجموعاتها إلا دليلا ساطعا على هذا الوعي المتنامي بسرعة بين كل فئات المجتمع وشرائحه وتوجهاته، والفالت شيئا فشيئا من قبضة النخب الخائرة.

وقد جاء كالتالي تعليق أحدهم في حوارية عبر بوابة إحدى هذه المجموعات على ما أسماه "الافراط" في تشخيص "مثبطات" حراك البلد وغياب "الحلول لها" :

"المشكلة لم تعد في التشخيص بل في اقتراحات حلول واقعية وفي الآلية إلى ذلك، وأما التشخيص فهو محل اجماع ولا خلاف عليه".

جاء الرد تلقائيا من آخر وغير مقعد:

"إن استمرارية التشخيص، في ظرفية "الارتباك" المعرفي والفكري والهوياتي الحاصل منذ أربعة عقود، هو جزء من الحلول الغائبة أو العصية لاستدامة البحث المتعثر والحركية المصابة بغياب "المحفز" الإرادي. وإن الحلول هي تماما كالتشخيص ماثلة لكنها تحتاج الفعل الإرادي... وأما هذا الفعل الإرادي السليب فينبني على تراكم الوعي بضرورة قيامه كما هو التشخيص تراكم للوعي الضروري لأسباب الفارق بين التي أسست للجمود من العوامل المختلفة المعلومة والتي تدعو بشكل مؤكد للحركية المرتبطة بالتغيرات الحتمية هي الأخرى بفعل الزمن الفالت من قبضة الإرادات الخائرة وكذلك من عوامل كسر الجليد بفعل تغير المناخ في سياق الشمولية... إن التشخيص صنو التغيير... والتغيير فعل إرادي ينتظر مصدر الشرارة... التي قد لا تأتي إلا متأخرة من ضعف القداحات".