في رِحاب أهل الشيخ سعد أبيه / عز الدين بن ڭراي بن أحمد يورَ

جمعة, 02/13/2026 - 09:39

حين خطر ببالي أن أكتب شيئاً عن العلاقة التي تربط أسرة أهل العاقل بحضرة أهل الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد فاضل، لم يكن التحدي في قلّة المادة أو ندرة الشواهد، بل –على العكس من ذلك– كان التحدي الحقيقي في كيفية اختصار مسيرة طويلة وحافلة من التعاطي مع هذا الجناب الفاضل الشريف، مسيرةٌ تمتد لما يناهز قرنا ونصفَ قرنٍ مِن الزمن، بما تحمله من تواصل علمي وروحي واجتماعي، ومواقف مشتركة، وزيارات متبادلة، وقصص وروايات وسرديات، يزخر بها الموروث المحلي للجانبَين …

وأمام هذا الامتداد الزمني والثراء المعنوي، راودتني فكرة أن أؤجل الجانب السردي والنثري من هذا المشروع إلى عمل تأليفي مُتأنٍ، يتسع لتفاصيل ذلك الموروث ويستوعب تشعباته، على أن أكتفي في هذه الإطلالة الأولى ببعض الشواهد الشعرية التي تخدم الغرض، وتضيء جوانب من هذه العلاقة الراسخة، دون أن أطيل الحيلولة بين الشعراء ونصوصهم؛ فالكلام –كما يقولون– من فم صاحبه أحلى!.

ومن الطبيعي أن تتصدر هذه الشواهد تلك الأبيات الشهيرة التي قالها محمد فال “ببَّها” بن محمذن بن أحمد بن العاقل، ترحيباً بالشيخ سعد أبيه ومناصرةً له، أولَ ما أشرقت أنواره على النواحي والآفاق من الركن الجنوبي الغربي من هذه البلاد. وهي الأبيات التي لقيت من القبول ما جعلها صوتاً عذباً، لا تزال تصدح به حناجر الفنانين في هذه الربوع وغيرها:

مطلعُ الغرب لاحَ ويحكَ فيهِ

              سعدُ خيرٍ مذ لاحَ سعدُ أبيهِ

سعدُ خيرٍ يُنمَى إلى كلِّ سعدٍ

                    زاخرِ اليمِّ أريحيٍّ نبيهِ

نال ما نالَ في صباهُ ولما

               يعدُ عشراً مضت لهُ من سنيهِ

قل لمن قال إن للغوثِ شبهاً

                    أو نَظيراً في قطرِنا: أرنيهِ

ومما يُروى من الطرائف في بابِ مناصرة الممدوح والمادحِ، أن أحد “أهل المحصر” علَّق على هذه الأبيات قائلاً بالحسانية : “أرنِيهِ” معناها “دِيرُو افعَينِي” …

وتعتبر مرثية امحمد بن أحمد يورَ للشيخ سعد أبيه، المتوفي في شهر رمضان من عام 1335هــ الموافق يوليو 1917م، مِن أشهر تلك النصوص وأكثرها استحسانا لدى العارفين بالشعر العربي الفصيح :

نواصحُ لكن كيف يُسمع قيلُها

               بُثينةُ من تهوى وأنت جميلُها

يَميناً ومِن خير الألايا أليةٌ

        يكون على المُولِي مُبينا دليلها

لقد هيَّج البرقٌ اليماني موهناً

             بقايا هوى لا يستقل قليلها

وأظلمت الأيام مذ بان بدرها

           ودفَّاع جُلَّاها الرِّضَى وجليلُها

ومن كان للنزال أمنًا ومنزلاً

            وكعبة أمنٍ لا يُضامُ نزيلُها

ومن كانت الأفواج في كل موطنٍ

                          يلوذ به تنبالها ونبيلها

له دعواتٌ في العباد مُجابةٌ

              بها اعتَلَّ عاديها وصحَّ عليلُها

تناوحتِ الدنيا لفقدان شيخِها

             كما ناحت الورقاءُ بان هديلُها

سقى الله تلك الروحَ أطيبَ مشربٍ

               وطاب بأفياء الجنان مقيلها

وكانت لنا الأبناء أرشد قادةٍ

             ثوانا ثواها والرحيلُ رحيلُها

بِطاؤُكمُ تشؤوا سوابقَ غيركمْ

              فلاحقُها فيكمْ وفيكمْ جديلُها

أمنتم كسوفاً يا بدور وإنما

        يخاف انكسافَ الضوء منها كميلُها

ومِن جميل الإخوانيات في ديوان امحمد قوله يخاطب الشيخ “بوننَّ” بن الشيخ سعد أبيه :

مِنِّي سَلامٌ إلَى “بُونَنَّ” مُوجِبُهُ

          أنْ ليسَ يُعْجِبُنِي ما ليسَ يُعْجِبُهُ

قدْ كنتُ أحسِبُهُ في العصْرِ خيرَ فَتًى

         فجاءنِي فوقَ ما قدْ كُنتُ أحسِـبُـهُ

وفي مجال الإخوانيات مما يخص هذا المقام، يقول أيضاً محمدن بن محمد بابَ مِن أبيات :

إنا لكم مَعشرَ الأشياخ أنصارُ

             وليس في نصركم عيبٌ ولا عارُ

لكم محامدُ عِزٍ طالما ذُكرت

         لا يعتريها مدى الأيام إدبارُ

أولئكَ القومُ أشياخٌ يُؤيدهمْ

          نصرٌ مِن الله ما حلُّوا وما سارُوا

يَعيَا البليغُ إذا ما رام مدحَهمُ

                 وكيف ينزحُ ماءَ البحر مِنقارُ

تسعى المشايخُ كي تقفوا مآثرَهم

                     وليس يبلغهُم منهنَّ مِعشارُ

وقد كانت وفاةُ الشيخ الطالب بويَ بن الشيخ سعد أبيه نهايةَ عام 1964م مناسبةً لا يمكن أن تمرّ دون أن يقول الشعرُ كلمته في عِظَم المصاب، ودون تقديم واجب العزاء للأحبة في فقد أحد أكبر أعلام زمانه قدراً ومكانة. فقد شكّلت وفاته أبرز أحداث ستينيات القرن الميلادي المنصرم، لِما كان يمثّله من مقام علمي وروحي واجتماعي رفيع. وفي هذا السياق يقول ڭراي بن أحمد يورَ:

صُروفَ الدهر أبديتِ العُجاب

          ودُونَ الغيب هتّــكتِ الحِجابا

وصـــيَّرتِ البعيــــد لنا قريباً

            وأقصيتِ القريبَ ولا عتابا

إذا ملَّكــتِنا عِلـقاً نفيساً 

          قضيتِ بأخذهِ منا اغتصابا

هيَ الأفراحُ والأتراحُ تاتي 

            بِهِنَّ فلا سرورَ ولا اكتئابا

أمانُكِ لا يَغُرُّ سِوى جهولٍ 

            وخوفكِ لن يدومَ إذا أصابا

وأعظمُ ما سمعنا منكِ خطبٌ 

            إذا أصغى إليهِ الطفلُ شابا

أصبتِ الشيخَ نجلَ الشيخ سعدٍ

             فكل المسلمين غدا مصابا

أقول لِمن نعاهُ لنا رويداً 

             نعيت البدر والبحر العبابا

وحمَّلت القلوب أسًى عظيماً

             به العَبَراتُ تنسكبُ انسكابا

فأجريتِ العُيونَ به عُيونا

           وملَّأتِ الإهابَ به التهابا

مضى القطب الشريف وليس قطبٌ 

             يُحاكيه انتساباً واحتسابا

تضلَّع مِن علوم الشرع طِفلًا

            وعن غُرَر العُلا كشَف النقابا

نماهُ إلى لُبابِ المجد أصلٌ 

               به قد أحرز المجد اللُـبابا

فأنوار النبوة ساطعاتٌ

             عليه فكيف تحتجب احتجابا

وراحتُه تسح على البرايا

             إذا هطلت تُـنسِّـــيك السحابا

فكم سدَّت مفاقرَ من فقيرٍ 

       وكم وهبت لذي النصَبِ النصابا

ترى السُّودَ الأعاجمَ وهْي تسعى 

                  إليه تجوب تيهاً لن تُجابا

تُـكابد هول بِـــيدٍ بعد بـيدٍ 

               فلا غرراً تهابُ ولا اغترابا

تؤم الشيخ مِن قطرٍ بعيدٍ 

               فتحجو غُربةً فيه اقترابا

كفاها شوقُه الأتعاب كلًّا

          فتحسب ذكرها الأتعابَ عابَا

تحاول إذ تنيخ ببابه أن 

              يزودها الدعاءَ المستجابا

وتنظرُ طلعةً كُسِيــت بنور 

           وتمسح تحت نعليه الترابا

ترى بيت النبوة مُستحِقاً 

             عليها ذا فتفعله احتسابا

سقى الرحمن روح الشيخ رَوحاً

                    وريحاناً وجنَّبه الحسابا

وأسكنه من الفردوس داراً

                  يرى كل الديار لها خرابا

وبارك في خلائفهِ جميعاً

               فكم راضُوا من المجد الصعابا

وكم شرحوا لذي الحوجاءِ صدراً 

                   وكم فتحوا من العلياءِ بابا

أقرَّ الله عين الحِبِّ فيهم

              وردَّ عِداهمُ عُزلاً غضابا

وسدَّدَهم ووفقهم لكيما 

              يصيبوا عند رأيهمُ الصوابا

بأحمدَ من دعانا للهدى وَهْـــ 

               وأفضلُ من أُجيبَ ومن أجابا

صلاةٌ لا تزالُ تسحُّ نوراً 

                     عليه وآلهِ ومنِ استجابا

ومِن قصيدة أخرى، يقول في رثاء المرحوم سيدي بويَ بن بونَنَّه بن الشيخ سعد أبيه من قصيدة:

هِيَّ الحوادِثُ كُلُّ ما تُبْدِيهِ

                لِعُيونِنا لا بُدَّ أنْ تُخْفِيهِ

عَجَباً لَها في هَدْمِهَا وبِنائِهَا

               تبنِي وتهدمُ كُلَّ ما تبنِيهِ

والكُلُّ تدبيرٌ لِرَبٍّ قادِرٍ

            مَلِكٍ على وَفْقِ القَضَا يُجْرِيهِ

إنا لَنَدرِي ذا ولكنْ فقدُنا

              لِذَوِي العُلاَ مُنْسٍ لِما نَدْرِيهِ

عَزِّ المعالِيَ والمعانِيَ والنَّدَى

                عَنْ “سيدِ بُويَ” فإنَّها تَبْكِيهِ

لوْ صَحَّ أنْ يُفْدَى الكريمُ مِنَ الرَّدَى

                  لَأتَتْ جماهيرُ الورَى تَفْدِيهِ

فاللهُ يُسْكِنُهُ فَسِيحَ جِنانِهِ

               ومِنَ الرَّحيقِ مُعتَّقاً يَسْقِيهِ

أما بنُوهُ فإنَّهُمْ سُلوانُ مَنْ

             كادَ المُصابُ بِسهْمِهِ يُصْمِيهِ

فاللهُ ينصُرُهُمْ ويَجْبُرُ كَسْرَهُمْ

                  ومقامُهُمْ بينَ الورَي يُعْلِيهِ

قومٌ تكاثرَ مَجْدُهُمْ حتَّى لقدْ

          فاقَ الحَصَى عدًّا، فَمنْ يُحصيهِ؟

وكفاهمُ شَرَفاً بُنُوَّةُ أحمدٍ،

               والنُّورُ يسْطَعُ في وُجوهِ بَنِيهِ

نَوِّهْ بِهِمْ وانْوِ الذي تختارُهُ

                   لِتنالَ بالتَّنْويهِ ما تَنْوِيهِ

صلَّى الإلهُ علَى النَّبِيِّ ومُقْتَفِيـــ

ـ ـــهِ بِقَلْبِهِ والمُقْتَفِيهِ بِفِيهِ

وقد كنت قلتُ عام ألفين وثمانية قطعةً في رثاء المرحوم “أتقانَ بن الشيخ بُونَنَّ بن الشيخ سعد أبيه، جاء فيها:

سَهْمَ المَنايا أصَبْتَ اليوم “أتْقَانَا”

                    أصَبْتَ أعظمَنا قدراً وأتقانا

“أتْقانَ” مَنْ شادَ بُنيَاناً ومنزلةً

                أعْظِمْ بِبُنيانِه فِي المَجْدِ بُنيانا

شيـخٌ عـبادتهُ في الناسِ قدْ عُرِفَتْ

                يُقـطِّع الليلَ تـسبيحاً وقرآنا

تـرى المـُريديـن في أبْـهَى مواسِمِها

               تـسعَى إليه جماعاتٍ ووِحدانا

تــرى لديه بني غـبراءَ يُوسِعُهمْ

                سَقيًا ولُبسًا وإطعامًا وإسْكانا

قـد كان صائنَ عِـرضٍ لا يمُن بـه

           ولـم يَزلْ بجزيل المالِ مَنَّانا

إن كـان أعيَى زماني مِـثلُه كــرمًا

              فإنَّ عَدَّ خِصالِ الشـيخ أعيــانا

سقى الإلهُ مـكانًا أنــت نــازِله 

          وبْلاً من العفوِ سَحَّاحاً وهتـَّانا

وفي بنِيكَ الكـرامِ الــغُرِ أُسوتُنا

            فلن يزالوا لأهل الفضل عنوانا

وذا سَلامٌ لذاكَ الحيِّ مُوجِبُه 

             عن ذِكـرهِ الحـالُ أغناكُم وأغْنانا

ومن حديث التواصل الأدبي بين الجانبَين قصيدةٌ قالها محمد بابَ بن محمذن بابَ في رثاء المرحوم الشيخ آيَّاهْ بن الشيخ الطالب بويَ بن الشيخ سعد أبيه، يقول فيها:

ما بالُها الدنيا أغاب سرورها

               أمْ فارق الشمس المنيرةَ نورُها 

أم غاب بدرُ التَّمِّ بعد كماله

                   فبكت عليه إناثها وذكورها 

بل فارقتها طلعةٌ ميمونةٌ

              تعلو على كل الأمور أمورها 

لله كان حضورُها وغيابها 

               لله، نعم غيابُها وحضورُها 

ما غبتَ إذ كيف البحار تضمها

       -يا شيخُ- أحجارُ الفلا وصخورها 

بل كيف تُطوَى صفحة قد سُطرت

           بالدُّرِّ في سِفر الخلود سطورُها 

أم كيف تنسى والبنون جهابذٌ

                تعلو البحور الزاخرات بحورها 

مأوى الأنام إذا تفاقم أمرها

              حزنا وضاقت بالهموم صدورها 

وهُمُ إذا غاب السحاب سحابها

              وهمُ إذا غاب البدور بدورها 

أم كيف تجزع أسرةٌ هو شيخها

                 ووليها رب الورى ونصيرها 

بالشيخ سعد أبيه نالت رفعةً 

             وعلت على دور الخلائق دورُها

يا حضرةً بالشيخ جاوزتِ السُّها

                 وامتد من نور المشفع نورها 

وتزورها كل الأنام لأنها

             تحظى بنيل الحاج حين تزورها 

لا ضير فالأبناء قد سادوا الورى

             بخلائق تُخزي العطور عطورها 

وسقى ضريح الشيخ يا رباه مِن

              وبل المزون المُسبلات دَرورها 

لتحفه حيث النبي محمد

                يارب ولدانُ الجنان وحورها 

ثم الصلاة على الرسول المنتقى

             ما ناح فجرا في الفلاة طيورها

وإذا كان من خاتمة لهذه العُجالة، فإني أتمثل لهذه الحضرة العالية الغالية دعاءً ضمنه الوالد قصيدةً يرثي بها الشيخ الحدرامي (حدَّامِي) بن الشيخ الخليفة بن الشيخ سعد أبيه، وقد كان ذلك في ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم :

واحبُ الخلائفَ ربَّنا بمُرادِهم

                  وقِهِم منَ الآلام والأسقامِ

وانصُر بنيهِ وعلِّهِم وبناتِهِ

            وارفَع لهم في الفضلِ كلَّ مقامِ

واجعلهمُ حرَماً عظيماً آمِناً

                   كُلٌّ يتيهُ بفضلِهِ المُترامِي

وارزُقهمُ التعميرَ والتيسيرَ والـ

                     تسخيرَ يا وهابَ كُلِ مرامِ

حتى يكونوا غُرةً في قومهمْ

                          ويكونَ كلهمُ كبدر تمامِ

لا أفَلَتْ شمسُ ذاك التواصلْ، ولا زال ذكرُه تحصيلَ حاصلْ، آمينْ، اللهم صل وسلم على أشرف المرسلينْ، وعلى آله وصحبه أجمعينْ ،،،