بعد مضي خُمس المأمورية الرئاسية ما مدى جاهزيتنا للإصلاح؟

يبدو أننا لم ندرك بعد أن الحديث عن الإصلاح ليس هو الإصلاح؛ بدون العمل الذي تتضافر فيه عناصر الإرادة مع الرؤية مع المورد البشري والمعنوي والمادي ، لا يمكن أن يتحقق شيء ملموس في الواقع، إلى متى ستظل صناعتنا الثقيلة هي الكلام ومهارتنا الوحيدة هي رياضة الكلام .
من الواضح أن الفجوة التقليدية بين ما تُنظر له نخبنا وماتعمل له سحيقة جدا، لا يمكن الرهان في بناء الدول على المجهول وعلى الزمن وعلى شخص واحد مهما كانت نيته وقدرته.
هذا الفشل المزمن يتعلق أساسا بأزمة الدور ، لكل شخص طبيعي أو اعتباري في المجتمع دورا يجب أن يقوم به وأن تتكامل الأدوار ، وإلا فسنظل نراوح مكاننا .
هل نحن فعلا لا نبصر أو لا نعي حجم الفرص والتحديات الماثلة، هل نحن فعلا عاجزين أن ندرك أين أصبح العالم ، حتى بما فيه الكيانات القريبة منا ، إلى متى نواصل دفن رؤوسنا في رمالنا المتحركة.
إننا نشهد توقفا مقيتا حتى ولو جعلنا منه بحيلنا الكلامية الساحرة وكأنه يسعى.
علينا أن نقف وقفة للتأمل والاعتبار.
 لقد أنجزنا قبل عام من الآن انتقالا للسلطة ، في وقت كنا جميعا أو أغلبنا نضع يدنا على قلوبنا بفعل أقلية ، كانت استنفذت كل حيلها في الاقناع والتزيين والتزوير لتجعلنا  أمام أسوأ سيناريوهات الجمود والانسداد.
لم تكن هذه السنة المنصرمة سهلة ، لقد تحالفت كورونا وعدم اليقين علينا ، كي نشك في حقيقة أن تغييرا عموميا قد حصل .
لا يمكن لغير المزايديين أن ينكروا أن عنوانا عريضا بل حلما عسيرا قد تحقق ؛ هو عنوان التهدئة السياسية، لقد نجح الرئيس المنتخب في وقت قياسي بناء ملامح حكم توافقي ، تتشاور فيه الرئاسة مع مؤسسة المعارضة ومع الأحزاب السياسية الممثلة في الهيئة التشريعية؛ هذا الوضع السياسي الجديد كان بعيد المنال بالنسبة لأكثر المتفائلين، هذه الدرجة من الانفتاح ومن المشاركة والتشاور جعلت البعض يتخوف من مصير مجهول للساحة السياسية من ناحية التنوع والاختلاف الديموقراطي الصحي؛ كيف تختفي روح الصراع وروح التشنج وروح عدم الثقة في وقت قياسي، لتبدو المعارضة وكأنها وجه آخر للسلطة؟!
السؤال الأهم والذي لم يطرح بعد؛ كيف نجعل من هذا التوافق فرصة لعمل جماعي ووطني تحتاجه بلادنا وليس مناسبة عابرة ، ينتهزها السياسي لتعظيم مصالحه القريبة والشخصية، على حساب المصلحة العامة كما تعودنا دوما!
لقد مثل ترتيب البيت الداخلي للحكم سياسيا وأمنيا ، فرصة لاستقرار يحتاجه النظام ليس لتكريس وتعميق تلك الروح الجديدة سياسيا ومجتمعيا فقط،ولكن
إلى جانب هذا الانفراج السياسي ، هناك مهمة أخرى لا تقل أهمية، هي الإقرار بضرورة مواجهة الفساد ، هذا ما سمعناه علنا من الرئيس وما يطالب به الجميع، لكنني هنا لا بد أن أشيد أو أنبه إلا فرادة الأسلوب ، ففي الوقت الذي يتطلع فيه سواد عظيم من الناس تضرر من الفساد -غير المشكوك فيه- إلى الزج بالمتهمين بالسجون ثم محاكمتهم، بل وحتى تطلع البعض للانتقام، إلا أن النظام اتخذ طريقا أكثر عقلانية وقانونية وشرعية، لقد دفع بالأمر إلى مؤسسة تشريعية نتيجة عملها ستكون بين يدي القضاء الموريتاني، ليقول كلمته العادلة بدون تدخل ولا ضغوط، وهذه طريقة تضمن إرجاع الحقوق بعدالة ، بعيدا عن الانتقام وتصفية الحسابات السياسية الضيقة.
إن انفراجات بل وحتى انتصارات عديدة حدثت في أكثر من مجال رغم محدودية الفترة وحساسية الظرف بسبب جائحة كوفيد 19.
لكن علينا أن نقول بأن كل تلك النجاحات ستظل نسبية ومحدودة وضئيلة، ما لم نغير زاوية نظرنا ونغتنم فرصة المحنة لنجعل منها منحة، فما دام نظامنا المنتخب أصبح يقف على أرضية صلبة وتكرست شرعيته، وتوطدت مصادر قوته الداخلية والخارجية ، لا بد من وقفة مراجعة وتقييم كبرى ، تنتج عنها استراتيجيات محكمة وواعية تضع منطلقات وأسس الإصلاح النهائي الذي نطمح له كشعب ودولة، ولن يكون هذا الإصلاح إلا بالمصلحين وبالأفكار الصالحة، وبالمنهجيات الصالحة.
هذا الإصلاح الذي نريده شموليا وعميقا يروم تغيير قواعد لعبتنا السياسية المختلة، وقواعد وأسس إنتاجنا الإقتصادي المتعثر ، وتماسك مجتمعنا المهدد.
لقد كانت هذه السنة المنصرمة مليئة بالعبر والدروس ولكن فقط لطبقة سياسية واعية ومدركة ومتجاوزة....

السعد بن عبدالله بن بيه

رئيس مركز مناعة الإقليمي لليقظة الاستراتيجية.