واجب توفير مترجم للمتهم والمتقاضي في الشريعة والتشريع الوطني
الخميس, 10 ديسمبر 2015 07:38

 

لا تمكن محاكمة أيّ شخص محاكمة عادلة ما لم يخبر بالتهم أو الأفعال المنسوبة إليه ارتكابها في المجال الجزائي أو ادعاءات خصمه والأدلة التي قدم تأييدا لها في المجال المدني ..وإخبار المتهم أو المتقاضي بهذا الأمور لا بدّ أن يكون بلغة يفهما قطعا لهذا كان الحقّ في الحصول على مترجم من الحقوق الأساسية للمتهم أو المتقاضي وإذا كان لا جدال في أنّ للمتهم أو المتقاضي الحقّ في 

الاستعانة بمترجم على حسابه فإن التساؤلات حول ضرورة وجوب توفير المحكمة مترجما للمتهم أو المتقاضي الذي لا يفهم لغة الإجراءات خاصة في المجال المدني يمكن طرحها وهذا التساؤلات هي ما تصبو هذه السطور إلى الإجابة عليه وسيقسم موضوع الإجابة إلى فقرتين تخصص الأولى منهما لمصادر الحق في الحصول على مترجم أو واجب توفير مترجم للمتهم أو المتقاضي الذي لا يتكلم لغة الإجراءات في الشريعة الإسلامية والتشريع الوطني بينما تخصص الفقرة الثانية لآثار المساس بهذا الحقّ أو الواجب في كلّ منهما أي الشريعة الإسلامية والتشريع الوطني الفقرة الأولى:مصادر الحقّ في الحصول على مترجم في الشريعة الإسلامية والتشريع الوطني سنقسم هذا الفقرة إلى نقطتين نتعرض في أولاهما (α) لمصادر الحقّ في الحصول على مترجم في الشريعة الإسلامية بينما نخصص الثانية (β) منهما لمصادر هذا الحقّ في التشريع الوطني α-مصادر الحقّ في الحصول على مترجم في الشريعة الإسلامية لأنّ الإسلام دين عدالة ورحمة احتلّ التفكير في تجسيد العدالة بصفة عامة وعبر الأحكام القضائية بصفة خاصة مساحة هامة من اهتمام فقهاء الشريعة الإسلامية وهو ما يعكسه في موضوع وجوب توفير مترجم للمتهم والمتقاضي: *ما يستنتج من وجوب تسهيل إيصال المتقاضي إلى القاضي وعمل القاضي على وصول حجج الأطراف إليه وإيصال حجج كلّ واحد منهم إلى الأطراف الأخرى الأمر الذي يقتضي أن يكون للطرف الأجنبي عن لغة الإجراءات الحقّ في أن تترجم له حجج الطرف الآخر لذلك ذهب الفقهاء إلى أنّ القاضي يجب عليه أن يعين معه موظفا يشغل منصب المترجم بصفة دائمة ومستمرة (تبصرة ابن فرحون ج 1 ص 51) *وجوب أن يعذر القاضي لمن توجه عليه الحكم في حجج وبينات خصمه ذلك أنّ عدم الإعذار للطرف يعدّ مبطلا للحكم نظرا لأن الإعذار حقّ من حقوق الله تعالى ممّا يعني أنّه تجب ترجمته لمن لا يتكلم لغة الإجراءات ولن يحدث ذلك إلا عن طريق المترجم وفي إطار التسهيل على القاضي في اختيار المترجم ذهب مطرف وابن الماجشون إلى أن المرأة يمكن أن تشغل وظيفة المترجم هذا مع الإشارة إلى أنّ سحنون عارض ذلك (تبصرة ابن فرحون ج 1 ص 357) والخلاف ناشئ عن طبيعة النظرة التي يجب أن ينظر بها إلى المترجم ذلك أن مطرف وابن الماجشون اعتبرا أنّ المترجم مخبر بينما اعتبره سحنون شاهدا وهو كذلك لأنّ المترجم يشهد على ما يقول المترجم عنه بسماعه له ونقله عنه للمحكمة والمرأة في الفقه الإسلامي خاصة المالكي لا تقبل شهادتها إلا في أمور محدودة جدا مثل الأموال وما لا يطلع عليه إلا النساء الأمر الذي لا نعرف مدى تلاؤمه الآن مع مقتضيات الاتفاقية الدولية المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة خاصة المادة:15التي لم تتحفظ عليها موريتانيا وتجب الإشارة إلى بعض أنّ القضاء الموريتاني يقبل المرأة مترجما. β- مصادر الحق في الحصول على مترجم في التشريع الوطني تنقسم مصادر الحق في الحصول على مترجم في التشريع الوطني إلى مصادر دولية ومصادر وطنية غير أنّه ينبغي في هذا المجال التمييز بين المجال الجزائي وهذا ما سنتناول في (ا) والمجال المدني وهذا ما سنتناول في (ب) أ‌- مصادر الحق في الحصول على مترجم في المجال الجزائي يبدو أنّ المشرع الدولي والوطني كانا أكثر اهتماما بالحقّ في توفير مترجم في المجال الجزائي من غيره من المجالات الأخرى ويتضح ذلك من خلال استعراض بعض مصادر هذا الحقّ في التشريع الوطني التي من أهمّها: 1-من المواثيق الدولية التي صادقت عليها موريتانيا - العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية: الذي جاء في البند ( و) من الفقرة الثالثة من المادة:14 منه أن لكل متهم (أن يزود مجانا بترجمان إذا كان لا يفهم أو لا يتكلم اللغة المستخدمة في المحكمة،)وفي إطار اجتهاد لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ذهبت إلى أنّ هذا الحق يشمل: -ترجمة شهود المتهم الذين لا يتكلمون لغة المحاكمة -ترجمة أقوال شهود النيابة والطرف المدني عند ما يكون المتهم لا يفهم اللغة التي تمّ عبرها الإدلاء بشهادتهم (Emmanuel Decaux et d’ autre le pacte international relatif aux droits civils et politiques commentaire article par article pp 356-357) بينما إذا كان المتهم سواء مواطنا أو أجنبيا يتكلم لغة الإجراءات حتى ولو لم تكن اللغة الأم له فإنّه ليس من اللازم أن يوفر له مترجم كما أن الفقرة الثانية من المادة:9 من ذات العهد جاء فيها أنّه: (يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه.) وهذا ما يفترض وجوب الترجمة إذا كان الموقوف لا يتكلم اللغة الرسمية للدولة التي تمّ توقيفه فيها 2-من التشريع الوطني - قانون الإجراءات الجنائية:يعتبر قانون الإجراءات الجنائية من أهمّ النصوص التي تناولت هذا الحق أو الواجب حيث تعرض له بالذكر تلميحا في عدة مواد منه منها الفقرة الخامسة من المادة التمهيدية منه بينما نصّ علي وجوب الاستعانة بمترجم في عدّة نصوص أخرى و يفهم ممّا جاء في هذا القانون من مواد تتعلق بالموضوع وجوب توفير مترجم للمتهم في التشريع الوطني في مختلف مراحل الإجراءات وذلك على النحو التالي: 1-أثناء الحراسة النظرية: يجب أن يخبر ضابط الشرطة القضائية الموقوف بسبب اعتقاله تطبيقا للفقرة الرابعة من المادة:23 من ق إ ج التي جاء فيها (إذا تعلق الأمر بمشتبه فيه يتعين على ضابط الشرطة القضائية إشعاره بالأفعال المنسوبة إليه) ولن يتمّ ذلك لمن لا يتكلم اللغة الرسمية إلا عن طريق المترجم إلا أنّ هذه المادة لم تبين الوقت الذي يجب أن يخبر فيه الضابط المشتبه فيه لكن يجب أن يكون هذا الإخبار عند التوقيف أو في بداية الإخضاع للحراسة النظرية عملا بالفقرة الثانية من المادة:9 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية آنفة الذكر 2- أثناء استجواب وكيل الجمهورية للمتهم: وذلك عند إحالته عليه من طرف الضابطة العدلية بعد انتهاء الحراسة النظرية في حالة التلبس بالجناية أو الجنحة تطبيقا للمادتين:63-64 من ق إ ج التي جاء في كلّ منهما أنّ على وكيل الجمهورية ( أن يخبر وجوبا المتهم بأن له الحق في أن يستعين بمحام حسب اختياره في الإجراءات اللاحقة.) كما يمكنه أن يستجوب المتهم ويحيله إلى قاضي التحقيق طبقا للمادة 36 من ق إ ج سواء كان ذلك في حالة التلبس أو غيرها ولن يتمّ ذلك الإخبار لمن لا يتكلم اللغة الرسمية إلا عن طريق المترجم وهذا الفهم هو المتناسب مع روح النصوص ضرورة حماية حقوق الدفاع 3 - أثناء التحقيق الإعدادي بمختلف مراحله : لم ينص قانون الإجراءات الجنائية بصفة مباشرة على وجوب توفير مترجم للمتهم في كلّ مراحل التحقيق ذلك أنّه تطرق إلى أنه يجوز لقاضي التحقيق الاستعانة بمترجم أثناء حديثه عن تلقي هذا القاضي لشهادة الشهود في المادة:91 من ق إ ج بينما تعرّض لذكره عند ذكر من يجب أن يوقع محضر الشهادة في المادتين:93-94 من ذات القانون ونصت المادة:108 على أنّ محاضر الاستجواب والمواجهة تحرّر طبقا للشكليات المنصوصة في المادتين السابقتين أي 93-94 و يتضح من كلّ ذاك وغيره خاصة المواد:101-123 169- 183- 255 من ق إ ج أنّه يجب أن يوفر للمتهم مترجم عند: -مثوله لأول مرة أمام قاضي التحقيق وذلك لأنّه يجب عليه أن يطلع على هويته ويخبره بالتهمة الموجهة إليه وبحقّه في اختيار محام ... -استجوابه له ذلك أن الأسئلة يجب أن توجه للمتهم بلغة يفهمها كما أن أجوبته هو يجب أن تترجم للقاضي وكاتب الضبط ... - إخبار القاضي للمتهم بالوضع في الرقابة القضائية والإيداع -إخبار القاضي للمتهم بانتهاء التحقيق - إخبار القاضي للمتهم بقرار الإحالة إلى المحكمة الجنائية تطبيقا للفقرة الثانية من المادة:183 من ق إ ج -أثناء الاستجواب التحضيري 4- أثناء المحاكمة: يجب أن يوفر للمتهم مترجم في كلّ مراحل المحاكمة وذلك على النحو التالي: -عند أخذ الرئيس لهوية المتهم تطبيقا للمادة:365 - 366 -عند سؤاله له هل له شهود تطبيقا للمادة:294 -عند إخبار الرئيس للمتهم بالتهم الموجهة إليه تطبيقا للمادة:297 -عند تلقي المحكمة لردود المتهم تطبيقا للمادتين:298- 400 -عند عرض رئيس المحكمة الوثائق المؤيدة للتهمة على المتهم والشهود تطبيقا للمادتين:311 -414 -عند ضرورة ترجمة وثيقة في الجلسة تطبيقا للمادة:314 -366 -عند ترجمة أقوال الأصم الأبكم الذي لا يعرف الكتابة تطبيقا للمادتين:315 -367 - عند إخبار الرئيس للمتهم بمنطوق الحكم - عند إخبار الرئيس للمتهم بالطعون المناسبة للحكم والتاريخ الذي يجب أن تمارس فيه تطبيقا للمادة:328 وهذه المقتضيات هي المطبقة أمام جميع محاكم الموضوع تقريبا خاصة المحكمة الجنائية والغرف الجزائية بمحاكم الولايات ومحاكم الاستئناف وإذا كان انطلاقا من النصوص السابقة لا جدال في حقّ الحصول على مترجم في المجال الجزائي فما هي حدود هذه الترجمة ومتى يجب توفيرها ؟ في غياب إجابة النصوص والاجتهاد القضائي والفقه المحلي على معظم هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها انطلاقا من مقتضيات العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية واستعراض كيفية تطبيق قواعد مشابهة لنصوصنا من طرف القضائي الفرنسي الذي نشأ التشريع الوطني الحديث في بوتقة تشريعه وذلك في ما يلي: -وقت الترجمة وحدودها في المجال الجزائي: *الوقت الذي يجب أن يوفر فيه المترجم للمتهم:يستنتج من المقتضيات العامة لضرورة حماية حقوق الدفاع وما جاء في البند (ا) من الفقرة الثالثة من المادة:14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي جاء فيه أنّه يجب بالنسبة للمتهم: ( أن يتم إعلامه سريعا وبالتفصيل، وفى لغة يفهمها، بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها) والفقرة الثانية من المادة:9 من ذات العهد التي جاء فيها أنّه: (يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه.) أن المتهم يجب أن يخبر عند القبض عليه بأسباب هذا القبض وهذا ما يعني أنّ الحق في توفير مترجم يجب أن يكون عند القبض على المتهم أو على الأقل في بداية إخضاعه للحراسة النظرية وأن هذا هو ما يجب أن يفهم من الفقرة الرابعة من المادة:23 من ق إ ج التي جاء فيها أنّه إذا تعلق الأمر باعتقال مشتبه فيه يتعين على ضابط الشرطة القضائية إشعاره بالأفعال المنسوبة إليه دون أن تحدّد الوقت الذي يجب أن يخبر فيه الموقوف بسبب توقيفه غير أنّ ما ذهبنا إليه من كون الإخبار يجب أن يكون فور التوقيف أو عند بداية الوضع في الحراسة النظرية هو التفسير المتناسب مع صيانة حقوق المتهم وروح ونص العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية ممّا يعني أنّ توفير مترجم للمتهم الذي لا يتكلم لغة الإجراءات يجب أن يسبق الإجراء المزمع القيام به من طرف ضابط الشرطة القضائية أو قاضي التحقيق أو قاضي الحكم *حدود الترجمة: يذهب القاضي جان كريستوف أكروكي Jean –Christophe Crocq في كتابه (le guide des infractions p 419) إلى أنّه في ضوء الفقرة 3 من المادة التمهيدية لمدونة الإجراءات الفرنسية- المماثلة لنصنا التمهيدي من هذه الناحية- أنّ للمتهم حقّ عام في الحصول على ترجمة كلّ ما يساعده على إعداد دفاعه طبقا لمقتضيات المحاكمة العادلة بينما ذهبت التشكيلة الجزائية لمحكمة النقض الفرنسية في قرار صادر عنها بتاريخ:04/10/1995 (Bull. cri. N 300) إلى أنّه يتوفر حقّ الحصول على مترجم للمتهم إذا صحبه مترجم أثناء مراحل التحقيق وأثناء اتصاله بمحاميه وبالتالي لا يشكل عدم ترجمة النسخ الموجهة إليه مساسا بحقّ توفير مترجم بالنسبة له في هذه الحالة ممّا يستنتج منه أن للمتهم الحقّ في الحصول على ترجمة كلّ ما يسمح له بإعداد دفاعه بشكل جيّد طبقا لمقتضيات المبادئ العامة للمحاكمة العادلة ب-وجوب توفير مترجم في المجال المدني: لا جدال في أنّ الحاصل على المساعدة القضائية من الناحية النظرية يمكنه الحصول على مترجم تتكفل الدولة بتعويض أتعابه ولا جدال في أن المساعدة القضائية في كثير من الأحيان تتطلبها مبادئ مثل: *مبدإ الولوج للقضاء *مبدأ تكافؤ الفرص ... ومن نافلة القول أنّ هذين المبدأين يعتبران من المبادئ الأساسية لدولة القانون والتي يقتضي توفيرهماّ الحرص على تطبيق مقتضيات المحاكمة العادلة التي هي عبارة تختزل فيها مبادئ العدالة والقسط في مجال الإجراءات والحكم وهذا ما يعني أنّه يجب توفير مترجم لأطراف الدعاوي المدنية كلّما دعت ضرورة توفير محاكمة عادلة إلى ذلك خاصة أنّ هناك نصوصا يفهم منها وجوب توفيره تلميحا على الأقلّ وذلك مثل: -المادة: 7.من ق ت ق التي جاء فيها: (لا تجوز محاكمة أي شخص ما لم يمكن من تقديم وسائل دفاعه. ويعتبر الدفاع حرا وكذلك اختيار المدافع.) - المادة: 5 من ق إ م ت إ التي جاء فيها: (يحق لكل طرف أن يطلع في الوقت المناسب على إجراءات وأوراق القضية ووثائقها ووسائل الإثبات المقدمة من الخصم والوسائل القانونية التي يثيرها) ذلك أنّ تمكين المتقاضي من تقديم وسائل دفاعه وإطلاعه على حجج الطرف الآخر يفرض على المحكمة ترجمة هذه الحجج ووسائل الدفاع له وربما يكون ذلك لازما إذا تحقّق شرطان هما : *جهل المتقاضي للغة الإجراءات أي اللغة الرسمية للمحكمة *كون المتقاضي لا يملك وسائل ما دية تسمح له بدفع تكاليف الترجمة ويتعزز هذا المذهب بما سبق أن تمّ تناوله في ما يتعلق بالشريعة الإسلامي التي تعتبر مصدرا تفسيريا واحتياطيا وموضوعيا لتشريعنا الوطني وهذا المذهب هو الذي تبنت أخيرا محاكم الاتحاد الأوربي الفقرة الثانية:آثار المساس بواجب توفير مترجم في الشريعة الإسلامية والتشريع الوطني كما رأينا يعتبر واجب توفير مترجم للمتهم والمتقاضي من الحقوق الأساسية في الشريعة الإسلامية وهذا هو حاله في التشريع الوطني لذلك فإنّنا سنتناول آثار المساس به عبر نقطتين نخصص أولاهما (α) لآثار هذا المساس في الشريعة الإسلامية بينما نخصص الثانية (β) منهما لآثاره في التشريع الوطني α-آثار المساس بواجب توفير مترجم في الشريعة الإسلامية إذا كان من الواجب على القاضي في الشريعة الإسلامية وبصفة عامة أن يتخذ له مترجما لإيصال الحجج إليه ثمّ بعد ذلك إيصال حجج كلّ طرف للطرف الآخر كما سبق أن رأينا أعلاه وفي ضوء عدم تفريق الفقه الإسلامي بين القضاء الجزائي والقضاء المدني وضرورة توخي الحيطة والحذر المتفق عليها في الأول كما هو مستفاد من ضرورة التأكد من صحة الإقرار والدعوة إلى الرجوع عنه في بعض الجرائم فإنّه يكون الأثر المترتب على المساس بواجب توفير مترجم بصفة عامة وبالنسبة للقاضي الجزائي والقاضي المدني هو بطلان الحكم وربما التعويض عن الأضرار الناتجة عنه ويتعزّز هذا المذهب خاصة إذا ترتب على تخلف توفير المترجم: 1- انتهاك حقّ من حقوق الله تعالى كما لو لم يوجه القاضي لمن توجه عليه الحكم إعذارا باللغة التي يفهم ذلك أنّ توجيه الإعذار بلغة لا يفهمها الموجه إليه في حكم العدم حتى ولو كان مكتوبا 2- ضرر للطرف الذي كان يجب أن يوفر له مترجم تطبيقا لقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) التي ممّا يستفاد من شقها الأول أنّه يحرم الإضرار بالغير سواء كان من المتقاضين أو غيرهم β-آثار المساس بالحق في توفير مترجم في التشريع الوطني ربما اختلفت حدّة آثار عدم توفير مترجم بحسب نوع القضية أي بحسب ما إذا كانت القضية جزائية وهذا ما سنتناول في (ا) أو مدنية وهذا ما سنتناول في (ب) ا- في المجال الجزائي لم يرتب قانون الإجراءات الجنائية أيّ أثر على عدم توفير مترجم للمعتقل أثناء الحراسة النظرية لكنّه رتب عليه البطلان المطلق أو النسبي على الأقل وذلك في الإجراءات اللاحقة للحراسة النظرية في حالات متعدّدة انطلاقا ممّا جاء في نص: - المادتين:63-64 من ق إ ج من أنّه في حالة التلبس وعند ما يمثل المتهم أمام وكيل الجمهورية فإنّه يستجوبه ويخبره وجوبا بأن له الحق في أن يستعين بمحام حسب اختياره في الإجراءات اللاحقة. وهو ما يفهم منه أنّ الإخبار يجب أن يكون بلغة يفهمها المتهم وعند ما يكون المتهم ممّن لا يتكلمون لغة الإجراءات وجبت ترجمتها له وعند عدم ترجمة الإخبار هنا يكون ذلك مبطلا للاستجواب بطلانا مطلقا أو نسبيا على الأقل لأن النص تضمن عبارة يجب التي ذهبت الغرف المجمعة في قرارها المبدئي المدني رقم:22/2013 الصادر بتاريخ:19/06/2013 إلى أنّ ورودها في أيّ مادة لا يمكن معه القول بأنّ مقتضياتها ليست من النظام العام وإذا كان ذلك كذلك بالنسبة للمجال المدني فمن باب أولى في المادة الجزائية - المادة:101 المتعلقة بالمثول الأول أمام قاضي التحقيق التي جاء فيها أنّ على هذا الأخير أن يخبر المتهم قبل توجيه أيّ اتهام له بأنّ له الحقّ في اختيار محام وأن يحيطه:(. ... علما بكل الوقائع المنسوبة إليه ويشعره بأنه حر في أن لا يدلي بأي تصريح. ويشار في المحضر إلى هذا الإشعار) ومن أهمية هذه الإجراءات بالنسبة لحقوق الدفاع والنص على ضرورة الإشارة إليها في المحضر وإيصالها إلى علم المتهم وترتيب المادة:169 من ق إ ج على المساس بها قابلية التحقيق للإبطال يفهم أنّ عدم حضور المترجم في المثول الأول بالنسبة لمن لا يتكلم لغة الإجراءات إن لم يكن من النظام العام فهو من أسباب البطلان النسبي على الأقل ويتعزز هذا المذهب بأنّ المادة:170 من ق إ ج جاء فيها تلميحا على الأقلّ أنّ هذه العيوب يمكن لكل من قاضي التحقيق ووكيل الجمهورية وغرفة الاتهام إثارتها - المادة:183 التي نصت الفقرة الثانية منها على أنّ قاضي التحقيق يجب أن يخبر المتهم: * بقرار الإحالة أمام المحكمة الجنائية *بحقه في استئناف هذا القرار والمدة التي يجب عليه أن يستأنفه فيها *أنّه ليس له بعد انتهاء أمد الاستئناف التمسك بعدم صحة الإجراءات وذلك بحضور محاميه وجعلت هذه المادة مراعاة هذه الشكليات تحت طائلة التأديب بالنسبة لقاضي التحقيق وكذلك كاتب الضبط الذي يعمل معه هذا مع أنّ هذا الأخير يمكن أن يتعرض بالإضافة إلى العقوبة التأديبية إلى غرامة مدنية قدرها ثلاثة آلاف (( 3000)) أوقية يعرضه لها رئيس غرفة الاتهام ممّا يعني أنّ عدم إبلاغ المتهم هنا بقرار الإحالة وبحقّه في استئنافه والأجل الذي يمكن أن يقوم خلاله به ... وبلغة يفهمها يؤدي إلى البطلان المطلق أو على الأقل النسبي لهذا المحضر ولن يتمّ ذلك لمن لا يتكلم اللغة الرسمية إلا عن طريق المترجم - المادة:255 من ق إ ج التي بعد أن نصت على أنّه ((يستجوب رئيس المحكمة الجنائية أو قاض معين من طرفه المتهم بثمانية (8) أيام على الأقل قبل افتتاح الدورة. يخفض هذا الأجل إلى ثلاثة (3) أيام في حالة التلبس بالجناية.)) جاء في الفقرة الثانية منها أنّه: ((يجب أن يستعان بمترجم إذا كان المتهم لا يتكلم أو لا يفهم العربية.)) ممّا يعني أنّ غياب الترجمة هنا تحت طائلة البطلان المطلق أو النسبي وهذا ما يفهم كذلك من أمور منها: *أنّ هذه المقتضيات وردت في القسم الأول من الفصل الرابع تحت عنوان الإجراءات الوجوبية *ما ذهبت إليه الغرف المجمعة بالمحكمة العليا في قرارها المبدئي المدني المشار إليه أعلاه - ما جاء في المواد:314- 315-376-367-402 المتعلقة من بين مواد أخرى بسير الجلسة وطرق الاستماع إلى المتهم وعرض الأدلة في الجلسة من أنّ على الرئيس أن يعين مترجما سواء كان ذلك من أجل ترجمة: • ما يقوم به الرئيس من استفسار للمتهم عن هويته • إبلاغه بالتهم الموجهة إليه •ردود المتهم •ردود شركائه في التهمة • فحوى شاهدة شاهد له أو ضدّه أو ترجمة إشارته إن كان أصمّ أبكم لا يكتب أو ترجمة إشارته للمحكمة •ترجمة وثيقة ذات أهمية بالنسبة للإثبات أو النفي •إخبار المتهم بمنطوق الحكم والطعون المناسبة له والتاريخ التي يجب أن تمارس فيه ويمكن أن تكون مقتضيات هذه المواد من النظام العام نظرا لارتباطها بمبادئ مهمة من بينها: -علنية الجلسة: التي يتم المساس بها قطعا عندما لا تترجم فيها أقوال المتهم الذي لا يتقن لغة الإجراءات وكذلك مختلف الشهادات والوثائق الأساسية في ما يتعلق بالتبرئة أو الإدانة -شفوية المرافعات: ذلك أنّه وفقا لهذا المبدإ لا بدّ من أن تبحث جميع الأدلة في الجلسة وأمام الجمهور وتأسيس الحكم على دليل كتابي لم يبحث في الجلسة يكون مخلا بهذا المبدإ كما أنّه من الأسباب الموجبة للنقض - الحضــــــــــورية: التي تعتبر من النظام العام كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مقال سابق -حقوق الدفاع: التي يوجب احترامها أن يخبر المتهم بلغة يفهمها بكل التهم والأدلة التي يمكن أن تستند إليها إدانته بما في ذلك الوثائق والخبرات وأقوال الشهود ب-في المجال المدني يبدو أنّ نصوص العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية غلب عليها في هذا المجال الاهتمام بالمجال الجزائي على حساب المجال المدني وهذا ما يفهم من عباراته الواردة في المادة:14 بصفة عامة وكذلك الفقرة الثانية من المادة:9 من ذات العهد ولم يكن قانوننا الوطني استثناء في هذا المجال فلم يتعرض في أي نص من نصوصه حسب علمي المتواضع بصفة مباشرة للحقّ في توفير مترجم للمتقاضي في المجال المدني ممّا يعني أنّ المساس به ليس له أثر مباشر في المجال المدني وأنّ خطورة هذا الأثر مرتبطة بانتهاك مبادئ أخرى مثل: - الولوج للقاضي - مبدإ الحضورية -مبدأ تكافؤ الأسلحة ... وهذا ما عليه الحال بالنسبة للاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان التي من قراءة الفقهاء لها ولأعمال اللجنة الأوربية لحقوق الإنسان المتعلقة بها وتطبيقات محاكم الاتحاد الأوربي لمختلف فقرات المادة:6 خاصة الفقرة:1 اتضح لهم أنّ الحقّ في توفير مترجم في المجال المدني ليس منصوصا بصفة مباشر في هذه الاتفاقية وإنّه يتوصل إليه عبر تطبيق المقتضيات العامة الهادفة إلى توفير مبادئ المحاكمة العادلة (Sylvie Monjean-Decaudin la traduction du droit dans la procédure judiciaire Edition ENM et dalloz 2012 pp 178-179) وخلاصة القول هنا أنّ غياب المترجم في المادة الجزائية يؤدي إلى بطلان الإجراء الذي قيم به انتهاكا له أو الحكم الذي صدر مساسا به وهذا البطلان يتنازعه نوعا البطلان فهو من ناحية تتوفر فيه أسباب البطلان المطلق نظرا لأنّه يخرق قواعد جوهرية تقوم عليها المحاكمة العادلة وتعتبر من النظام العام في معظم التشريعات لتعلقها بحقوق أساسية للدفاع كما أنّه تتوفر فيه أيضا خصائص البطلان النسبي التي من أهمّها أنّ أثره لا يتضرّر منه سوى ضحيته هذا بالإضافة إلى أنّ أيّ ضرر للمتهم نجم عن خطإ قضائي يمكن أن يترتب عليه تعويض لضحيته من طرف الدولة وأنّ المحكمة لا يجب عليها أن توفر مترجما للمتهم إلا إذا طلب ذلك أو أدركت جهله لها ذلك أنّ جهل اللغة الرسمية لا يفترض كما هو معمول به في فرنسا (Henri Angevin la pratique de la cour d’assises p 269) أمّا في المجال المدني فيجب أن يوفر للمتقاضي مترجما متى تطلبت ذلك قواعد القسط والإنصاف محمد ينج محمد محمود رئيس محكمة مقاطعة تمبدغة

إعلان

 

إعلان

الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

فيديو

البحث